الشعائر الحسينية بين الارشاد والافساد.

بسمه تعالى وبه استعين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. صلى الله عليك يا أبا عبدالله وعلى المستشهدين بين يديك.. وعظم الله أجوركم بذكرى الفاجعة الأليمة.

       في كل عام قبيل محرم وأثنائه تهب عواصف الفتن بانواعها، وتُشنّ الحروب والحملات بشكل متعمد أو بشكل عفويّ، ويتراشق هذا وذاك في مختلف الشؤون الحُسينيّة. والحال أن كثيرًا من الكلمات التي تصدر هنا وهناك هي في محل نقد الشعائر الحسينية وملازماتها، وللحديث في هذا الأمر ينبغي تقسيم هذا النقد حسب الناقد إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الناصح بحكمة، الذي يعرف أنى وماذا يقول.
الثاني: -وهو محل كلامنا- الناصح بلا حكمة، فيقول كلمته -وإن أردنا أن نحسن ظننا بأنه يريد الإصلاح- فيُحسب كلامه على القسم الثالث وإن كان شخصه مختلف عنهم وليس فيهم.
الثالث: فهو والمخالف المبغض لنا سواء، نفسه مريضة، لم يتلقَ تأسيسا عقائديا رصينا، أو لم يقبلها فصار يضرب كل ما يمت بصلة لشعائر الإمام الحسين (عليه السلام)، أو ربما كان ممن لا يمتلك أبسط قواعد الفقاهة بل ولا خلفية دينية مناسبة فينشر جهله بين الناس، وعمومًا أفراد هذه الفئة كثيرون لا يسع المقام لحصرهم.

وبعد هذا الترتيب أقول؛ مما لا ريب فيه أن المؤمنين جميعا يستأنسون بإقامة شعائر الله على أكمل وجه، وأن تكون خالصة لا تشوبها شائبة، فتزيد في علوّ مكانتها وتكون كما هي مصدر قوّتنا وفخرنا وعزّتنا.. فلا يمانع المؤمن بأن تقام بشكل أفضل لو وجدت ملاحظات، إلا أن هذه الشعائر.. والشعائر الحسينية على وجه الخصوص أنواع، يمكن تقسيمها في هذا المقال أيضا إلى ثلاثة أقسام:

أ) ما هو قابل للنقد والتطوير بلحاظ وجود بعض السلبيات أو النقائص التنظيمية وغير التنظيمية.
ب) ما هو قابل للنقد والتطوير إلا أن موضوع الانتقاد غير متحقق في الواقع.
ج) ما لا يمكن انتقاده ولا يفصّل فيه إلا ذوو الإختصاص.

نأتي للتفصيل:

من الأمور التي ذكرت في البضع سنين الماضية على سبيل المثال مسألة توزيع الطعام في الطرقات، وهذا من القسم الأول، فهو قابل للنقد والتطوير. محل الخلاف هو كيفية توصيل النقد أو بالأحرى النصيحة الأمينة، فالشخص الأول يتحلى بحكمة ويعرف ماذا يقول بحيث لا ينتقص من المسألة شيئا أو يسبب لها التوهين والتضعيف، فيقول مثلا: ( إن هذا التوزيع أمر عظيم وتؤجرون عليه وإني أشجعكم عليه إلا أني أحب أن أراه بشكلٍ أفضل وبتنظيم أكثر وبشباب آورع ) مراعيا المكان الذي يوجه فيه هذه النصيحة والوقت المناسب، أو بعض الأمور التوجيهية كتنبيه هذا القارئ بوجود أخطاء إملائية في قراءته وهلمّ جرّه.

أما الشخص الثاني، ففي نيّته أنّه يريد الأفضل -فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه- لكن المشكلة في هذا الشخص أنه يتعثر بلسانه فيقول مقالة الشخص الثالث ويوجه نقدا هو شبيه بخطاب ذاك العدوّ المتربّص، فيُوجّه كل تلك الأخطاء بشكلٍ سلبيّ في نقده، من غير مراعاة للوقت والمكان المناسبَين، فلا تفهم منه إلا الاستنقاص، حتى ولو كانت بلسانٍ أكثر لطفا لكنّه سيواجه شاء أم أبى ردّة فعلٍ من الغيارى، ولا يلوم في ذلك إلا نفسه، فلا يملك كل الناس قدرة تمييزه -إن كانت نيّته سليمة- عن هؤلاء المبغضين، فيرونه وهؤلاء في صفٍّ واحد، فضلا عن كون كلمته تخدمهم، سيّما وأن الناس تعلم بأنّ هذه الشعائر الحسينية حفظت لنا الدين وحفظت لنا عاشوراء وأقل تضعيف لها يكسر ظهر خاتم الأنبياء (ص) وهذا ما يُستلهم من كلمات فقهائنا الأعلام.

هذا كله إذا كان ما يرمى إليه النقد واضحا من حيث جوانب الخطأ، فإن لم يكن واضحًا، وابتنى رأيه على حالةٍ شاذة، أو مغالطة، فدخلنا هكذا في القسم الثاني، مسألة الإسراف في الإطعام -مثلا- قد تندرج تحت هذا العنوان، فكم من مجلس يرمي الطعام فيتحقق فيه التبذير فعلا؟ ومن أصل كم مجلس في الواقع؟ إما أنه فعلا من المتعارف ما بين المجالس رمي الفاضل من الطعام بأعداد زائدة، أو أنها مغالطة وتعميم صدر نتيجة موقف شخصي أو حادثة فريدة حصلت، ولا يصح هنا أن نصدر حكمًا على الجميع، فالشخص الأول في هذه الحالة إن عَرِف تلك الحالات الفريدة نصحهم بعينهم، أما الثاني فيصدر تعميما كأنّ جميع المجالس تبذر في الطعام! وهنا -مرة أخرى- صبّ في مصب العدو وقدم له خدمة على طبق من ذهب.

ان كنت لا تتفق فاستبدل ( مسألة الإسراف ) بمسألة أخرى.. كحالة فردية حصلت العام الماضي من تواجد نساء يوزعن البركة في إحدى المواكب.. هذه حالة فريدة ينبغي أن توجه إليهم النصيحة، ولا بأس بتوجيه ملاحظة عامة، لكن المغالطة أن يقال: المواكب يتواجد بها نساء ويجب أن لا تحدث هذه الأمور.. فيتصور عامة الناس بأنها سمة غالبة..

وأما القسم الأخير، فهو ما لا نقد فيه، كأصل -لا تفاصيل- شعائر مثل البكاء أو اللطم أو غيرها من صور الجزع، فالكلمة الأولى والأخيرة هي للمرجعية، ولها دون غيرها حق الفصل فيها، فلا يحق لأحد كائنا من كان أن يوجّه انتقادًا على بكاء أو لطم بما هو، أو الفصل في الوقائع التاريخية التي هي من إختصاص أهل التحقيق والفضلاء من أهل العلم لا من شأن الذوق والاستحسان، وإن جئنا لمسألة متكررة كالتطبير، فالقول فيه سواء، ما دام يرجع المكلّف إلى من يجوّزه أو يراه مستحبّا فلا يحق لمن يرجع لمن يرى غير ذلك أن ينتقد القائم به، وهنا ندخل في مسألة حلال وحرام، فلو كان النقد أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، فيشترط أن يكون المنكر الذي يريد الناهي النهي عنه منكرا عند من يريد نهيه! وعدم احترام هذا الأمر فيه انتهاك لحرمة الحكم الشرعي، وضرب لأهم ما نفخر به في التشيع في زمن الغيبة وهو باب الاجتهاد، ولذا كان لزاما على كل مكلف العمل بتكليفه، وأن يتحمل ما يلقاه من ردة فعل الناس ما لو وجّه لهم ما لا يحق له، ولا يستوي من يدعو إلى رأيه بمن يحط من رأي غيره.

وكذا لو اتفق بين المراجع على حرمة شيء ما، انقلب الأمر ولا داع للحديث في هذا الشأن.

تبقى مسألة أخيرة أود طرحها، وهي ما لو وُجّهت نصيحة أو انتقاد، على فرض أنها قيلت في المكان والزمان المناسب، فليس بالضرورة أنها نصيحة يجب العمل بها.

وبالطبع لا أستهدف بهذا المقال النوع الثالث من الأشخاص كمن يريد إلغاء الإطعام من أصله للتبرع وغير ذلك من الإشكالات، فالردود عليهم واللسان الحادّ الذي يستحقونه وما يدحض شبهاتهم موجود بوفرة، زاد الله المؤمنين قوةً وإيمانا، وعددا كما يحصل مرارا، فما إن تكلّم هؤلاء على شيء من الشعائر الحسينية إلا ونرى تزايدا مهيبا في أعداد مقيميها.

خلاصة القول، لا بد من رعاية لغة الخطاب ورعاية الشروط الأخرى في النصيحة، والاخلاص فيها بغير لغط، فقاتل الله الهوى والرأي بلا سند، فالحذر اذ قد يترتب على عدم رعاية هذا الأمر -ولو بغير قصد- تضعيف المذهب وتضعيف شعائره وكسر المؤمنين، وخدمة مرضى النفوس وصب الكلام في مصب أهدافهم وغاياتهم.

ولا ننسى أن وجود خطأ أو شبهة في فعل ما لا يلغي أصل الفعل -كما وضحت- فلا يلغى الحج لوجود عصاة في الحج مثلا!

وإن اختلف المؤمنون في تشخيص موضوع ما أو أسلوب القيام بفعل ما وفق مساحة الاختلاف المسموحة، فما يمنعهم أن يفعلوه دون التعرض لإخوانهم المؤمنين؟

وفقنا الله وإياكم لخدمة المولى أبي عبدالله عليه السلام، وإقامة شعائره على أفضل وجه.

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s