والكاظمين الغيظ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله كما هو أهله وصلى الله على المصطفى الأمجد أبي القاسم محمد (ص) وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.. واللعن الدائم على أعدائهم ومنكري فضائلهم ومصائبهم إلى يوم الدين.

عظم الله لك الأجر سيّدي بجدّك الغريب المظلوم الكاظم (ع).. فدته نفوسنا.. حليف السجدة الطويلة.. المعذّب في قعر السجون وظلم المطامير..

وعظم الله تعالى أجوركم جميعا..

مما سمعته من أحد مجالس البارحة، قضيّة لم تكن جديدة على مسمعي.. لكن في كثير من الأحيان حينما تسمع بأمرٍ ما لأوّل مرّة قد يمرّ مرورا كريمًا أو قد لا تتأمله بشكل كافٍ.. أو ربما تتأمل فيه جانبا دون آخر، فإذا تكرّر عليك سماع نفس القضية تفكّرت بجوانب أخرى..

وهكذا مع كثير من الأمور، مثل القرآن الذي نختمه في كل سنة مرة على أقل تقدير.. تجد حينما تقرأ يوما من الأيام آية ما تُحدّث نفسك بأن هذه الآية مثلا كأنّك تقرأها لأوّل مرة، أو ربما قرأتها من قبل لكنّك تشعُر بحالة “إشراق” ويطرأ في فكرك ربطٌ جديد قد يشغلك لأيّام.

على أيّة حال، القضية التي نُقلت بالأمس كانت ما جرى بين الإمام الكاظم (ع) وإحدى جارياته – حسبما قال الخطيب- كانت تحمل أحد أبناءه الرُضّع لكنه سقط من يديها عن غير عمد فمات ( وما وجدته في بعض المصادر أن الحادثة كانت أن الجارية كانت تصب للإمام ماءً ليتوضأ به لكن سقط من يدها الإبريق فشجّ رأس الإمام الشريف) فتبادرت مسرعة خائفة قائلة: “والكاظمين الغيظ”، فقال لها الإمام: كظمت غيظي، فقالت: “والعافين عن الناس”، فقال: عفوت عنك، فقالت: “والله يحب المحسنين”، فقال: اذهبي فأنتِ حرّة لوجه الله.

فاستَعرَضَ ما بهذه الرواية من جوانب أخلاقية عظيمة، وسأطرحها هنا اعتمادًا على رواية الخطيب التي نصّت بموت طفله.

أولا يجب أن نعلم أن الإمام المعصوم (ع) كونه معصوماً لا ينفي عنه العاطفة، فالإمام المعصوم بلا شك يحبّ أبناءه ويشفق عليهم، بل وأعتقد أن أكثر الناس حبّا لأبنائهم -حب في الله كما أمر الله- هم المعصومون (ع)، فكيّف يتصرّف أحدنا إن مات له طفل.. وبسبب إهمال أو خطأ؟ .. هل سنبتسم ونقول لا بأس.. بل حتما سنغضب غضبًا قد يؤدي بنا إلى الثأر والإنتقام، كما يقال: بشر القاتل بالقتل، وغيرها من المشاكل..

ثانيا وهي نقطة جميلة تحاكي العصر والمجتمع الحالي، أغلب البيوتات لديها أقلّا خادمة، هذا إن لم يكن لديهم أكثر، بالإضافة لسوّاق أو طبّاخين وغير ذلك من الجناسي الآسيوية مثلا، والواقع أنّ هذا الخادم / الخادمة أو أيّا ممن يعمل لديك حاله حال الموظّف يعمل مقابل أجر، ويجب أن يعامل معاملة الإنسان المحترم حاله حال أي إنسان يستحق أبسط حقوق العيش الكريم، لا فرق في ذلك بين الجنسيات ولا المعتقدات.. فحتى أهل الكتاب بغض النظر عن إختلاف آراء المراجع العظام بمسائل الطهارة إلا أنّه لا يختلف إثنان على حرمة التعدّي عليهم.

أتوقف هنا لأتكلم بتفصيل أكثر في هذا الموضوع. لو أردنا أن نتعرف على أخلاق الكثير في مجتمعنا، يمكننا بكل بساطة أن نرى تعامل الشخص المطلوب مع الخادمة في منزله، أو عامل النظافة في الشارع، أو دافع العربة في الجمعية، أو أو أو .. مع الأسف نرى كثيرًا أن التعامل معهم كأنهم عبيد !! فالخادمة كأنّها من الإماء الجاريات، ويصرخ هذا عليها، وينهرها ذاك، وتضربها تلك، ويعاملوا بأبشع صور المعاملة إلى درجة أننا نرى في المجتمع بأن ( الكلب ) معزّز مكرّم، وتلك الخادمة كما الكيس موضوع في خزانة السيارة !! والمشكلة أنّ ديننا أعطى العبيد والإماء حقوق، ونظّم كيفيّة التعامل معهم، وضرب لنا الأطهار أروع الصور في التعامل معهم، وحرّم إهانتهم وضربهم وغصب حقوقهم.. المشكلة أنني أتكلم هنا عن شيء اندثر بفضل الإسلام مع الأيّام فلم يبقى موجودا بيننا الآن.. وما لدينا ليسوا ( عبيد وإماء ) .. هم أناس! عند الله هم ونحن سواء في الحقوق والواجبات !

وهنا كان لزامًا عليّ أن أشكر والديّ اللذين غرّسا هذا المفهوم في العائلة منذ الصغر وورثوها هم من آبائهم.. فلا أكاد أدخل أنا وإخوتي في مكان إلا كان أوّل من يستقبلنا بحرارة وإبتسامة هو عامل النظافة الهندي أو الغسّال الباكستاني، ويسأل عن الوالد وأحواله.. ونتحدّث ونتعامل معاً كأصدقاء..

أدري أنّ هناك الكثير من هم هكذا وأفضل بدرجات.. لكن لا أبالغ إن قلت أنّ النظرة الدونية لهؤلاء هي -مع الأسف- الغالبة على مجتمعنا، ولا فرق في ذلك بين المتديّن ظاهريّا أو غيره..

ولربط هذا الموضوع بالحديث والرجوع إليه، نلاحظ أنّ تعامل أهل البيت (ع) مع الإماء والجواري هي أروع المعاملات بل أفضلها على الإطلاق، فيربونهم أي تربية! فهذه جارية الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع).. أيّ تربية تربّت حتى كان أوّل ما تلفظه في مثل تلك الحادثة آية قرآنية، لأن وأهل البيت (ع) أولى الناس بتطبيق القرآن، -فهم القرآن الناطق-

فكيف تتوقع أن يتم التعامل مع حدث في أمر عظيم ليس بهيّن إلا أنه كان خطأ، فالقاتل بغير عمد ذمّته بريئة من المسؤولية الشرعية إلا أنّ الشرع طبعا يطالبه بديّة ! ..

لكن ما عرفناه من الإمام الكاظم (ع) أنّه في موقفٍ قد لا يقوى على تداركه إلا معصوم مثله، قال لها: كظمت غيظي! وكظم الغيظ عند المعصوم ليس مثلنا حينما نتظاهر أننا كظمنا الغيظ .. لكننا نضمر الحقد، ويتضاعف هذا الغضب عشرات الأضعاف حتّى إذا صدر موقفا جديدا انهلنا على الشخص وانفجرنا.

ولا نزال نستطيع أن نتأمّل هذه الرواية بين فترة وأخرى ونستلهم منها دروسًا عظيمة، من معرفة الإمام (ع) إلى منهج للحياة والأخلاق..

أختم وأقول من عندي هذا الشيء القليل، إن كانت هذه الجارية اقترفت من التقصير ما أدّى لقتل فلذّة كبد الإمام المعصوم (ع).. فكظم غيظه وعفى عنها وأطلقها لوجه الله، ونحن لم نصل -إن شاء الله- لهذا الحد.. وكلنا تقصير وإسراف.. فمع سيّدنا ومولانا صاحب العصر -أرواحنا لتراب مقدمه الفداء- هل يمكننا أن نقول له سيّدي ( والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين ) ؟ فينسى غضبه علينا إن كان غاضبا؟ ويعفو عنا؟ .. ولأن المعصومين مظاهر صفات الله نسأل الله أن يمّن علينا بذلك..

عفا الله عنّا وعنكم، ورزقنا وإياكم مكارم الأخلاق.. ووفقنا لنكون مع ساداتنا في الدنيا والآخرة.

والحمدلله رب العالمين.

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s