العمل النقابي والقائمة الأكاديمية.. لماذا؟

* ملاحظة مهمّة: هذه المقالة تمثّل رأيي في القائمة في الوقت الذي كتبتها فيه، ولا يشترط وليس بالضرورة أن تكون موافقة لرأيي الآن أو مستقبلا.

    منذ مرحلة الثانوية وهناك دائما مقولة كانت تتردد حولي: “أهم شيء دراستك، ما ينفعك غيره” لكن لم أكن أتخيل نفسي من ذلك النوع الذي يُسخر جلّ وقته مع المادة العلمية التي تخص مجال دراسته فقط، مهملا العديد من جوانب الحياة المشرقة المفيدة بل والمهمّة بالنسبة للإنسان الذي يسعى للنجاح، فما كنت أرغب أن أكون ذلك الطالب المتميز في دراسته الذي لا يفقه شيئا في التعامل مع الناس، ولا يعرف سوى ما احتوته الكتب والدروس التي حضرها، وما إن وقع في مشكلة أيا كان نوعها يقف عاجزا أمامها! فكنت أؤمن بأن أعطي الدراسة المقدار الذي أحتاجه لنفسي وبالقدر الذي يوصلني إلى طموحي (الطب) وأسخر باقي الوقت لتنمية الجوانب الأخرى العديدة في شخصيتي.. فلم تعنيني أبدا عبارة: أهم ما تملكه شهادتك الجامعية، فلا والله تلك الشهادة الجامعية لن تُدخلني الجنّة ولن تجيرني من نار! ولن تشفعلي عند أحبتّي ولن تكون سببا في رفعة أخلاقي وليست معيارا يحدد قيمتي.. هي مجرد ورقة تثبت أني اجتزت مرحلة دراسية وتمنحني ( فرصة ) لأن أعمل في المجال الذي درست فيه.. لكن العقيدة والفكر، العلم والمعرفة، الأخلاق والتعامل، والخبرة في شتى جوانب الحياة إنما هو جهد شخصي أرى قضاء الوقت فيه أهم من قضاء الوقت في الدراسة -دون بخس حقها طبعا- ناهيك عن أهميّة وجود هدف سامي في حياة الإنسان، ولعل أسمى تلك الأهداف هو أن تكون إنسانا نقيّاً قريبا من الله، عظيما بين الناس ذليلا مع النفس! ومع مقارنة حجم هذا الهدف وما يتطلب من جهود وأمور كثيرة فإن الدراسة الأكاديمية لا تشكل إلا جزء صغير جدا منها.. الموضوع يطول ان تحدثنا عن أولويات الإنسان في الحياة والهدفية من حياته وكيف يصل إليها، لذا أقف هنا وأدخل في صلب الموضوع.. بالنسبة لي أحد الوسائل التي تخدم أهدافي في الحياة هو العمل النقابي .. فلماذا العمل النقابي؟!

     قوائم انتخابية.. مناظرات.. هواش.. نجرة.. نوت وستيكرات.. دورات هنا وهناك.. ضجيج ومصالح ومجاملات.. ربما هذا هو كل ما وصل إلى مسامعك أو نواظرك من موضوع ( العمل النقابي ) وكأنه لا يعدو كونه “طيش” شبابي وحالة شبيهة بالإستماتة في الدفاع عن نادي أوروبي يشجعه هذا الشاب الذي ترى في كل تفاصيل حياته شعار هذا النادي.. فكذلك طيش شباب الجامعة في كثير من الأحيان يتشكل بالإنتماء المطلق لـ”قائمة إنتخابية” يستحوذ على كل تفكيره وطاقاته أو أغلبها على أقل تقدير.. وهو بهذا لا يحقق استفادة واقعية من العمل النقابي، ولا بالمقابل يجتهد في دراسته، فيخسر أكثر مما يكسب.. وهنا حقّ لمن يوصي بترك ( الإنتخابات ) والإهتمام بالدراسة أن يعتقد بعدم فائدتها.. ولا أذم الحماس الذي يكون خلال فترة الإنتخابات.. فشخصيا مررت بهذه التجربة، ولا زالت جميلة تلك المواقف التي حرّكت مشاعرنا وأسبلت دموع البعض عند الخسارة أو الفوز.. لكن أحدث نفسي ويحدثني الأصدقاء بعبارات كـ” شدعوة يبجون على خسارة قائمة شصاير؟؟! .. ” لأقول نعم معكم حق، لكن هذا فقط جانب الحماس.. فأهملوه.. لكن، ماذا ان كان لها فائدة واقعية؟ وتوفرت الظروف المناسبة وكان للطالب القدرة على الجمع بين دراسته وبين أمور أخرى تفيده في بناء شخصيته وتضيف إلى خبراته شيئا محسوسا-علما بأن الأمر لا يحتاج سوى تنظيم الوقت-؟

    ارتأيت هنا أنه لا بد وأن أذكر نقطة مهمة. في أحد فيديوات القائمة الأكاديمية كانت لي كلمة: ” قيمة الإنسان بالفكر والمبادئ التي يحملها، وجود هدف واضح في حياته.. وسعي فعلي لتطبيق هذا الهدف “، وأقصد أيضا بأن قيمته تتحدد بقيمة كلٍ منها معاً.. ولأن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه.. فأيضا ( الإنتمائيّة ) هي نقطة غفلت عنها إلا أنني تطرقت لها في كذا مقام -لا يعنيني أمر الناس ولكن أتكلم عن نفسي- لا أرضى بأن أوضع تحت خانة ( قائمة طلابية ) كأبلغ وصف لإنتمائي! وتوصيتي أيضا للشباب.. بأن العمل النقابي على جمال تجربته في كليتنا ومع الأكاديمية لكن سواء فيها أو في غيرها لا تظلم نفسك وتجعل أقصى إنتماء لك وجلّ همّك وكل حديثك وأهدافك متمحورة حول القائمة التي تنتمي لها، إضافة إلى وضعك هالة تقديس عليها، فالكلية والفترة التي تقضيها بها هي فترة معينة من حياتك ستقضيها وتمضي قدما والذي تثق به اليوم لا تعلم ما ينتهي به المصير غدا؟.. عموما فبحسب أهدافك في هذه الحياة قارن كم تعطيها من الوقت؟ وهل هي متوازية مع أهدافك؟ بحيث تستثمر وقتك فيها ليخدم تلك الأهداف؟

    لا أدري إن كانت كلية الطب إستثنائية نظرا لصغر حجمها وقلة طلبتها؟ وخصوصية نوع الأنشطة فيها؟ أم أن السرّ يكمن في التجربة النوعية للقائمة الأكاديمية؟ وبالتالي هل يمكن تطبيق هذه التجربة مع نظيراتها في كليات أخرى أم لا؟

    على أيّة حال، قبل دخولي لهذه الكلية، كنت أتصوّر أنني سأدخل إلى عالم وردي جميل، فيه طلبة ناضجون فكريا يتميزون بوعي وهدف.. ورغم اني بالغت في تصوّري لكن الأمر لم يكن سيئا.. إلى إن تعرفّت على هذه القائمة ( الأكاديمية ) التي كانت هي أقرب الموجود لذلك التصوّر، فمنذ تأسيسها إلى هذا اليوم وهي من التجارب الطلابية النادرة في تاريخ الكويت حسب اعتقادي الشخصي.. فقد تأسست عام ١٩٩٥ بـ ثلاثة عشر مبدأ ووضع عاملوها دستورا ولائحة مبني على أساسهما آلية عمل الأفراد فيها، لم يعتبروا الفوز أمرا سهلا أو قريبا وتوالت عليهم سنوات الخسارة، لكنهم حققوا هدفهم الذي كانوا ينشدونه واقترن ذلك بالفوز في سنة ٢٠٠٦ بتغيير جو العمل النقابي في الكلية وإحداث نقلة نوعية في رابطة طلبة الطب بأنشطتها ومستواها وإنتشالها من المركز الأخير إلى الأول في أوّل عام لهم، والأهم من ذلك غرس أساسيات -من المفترض أن نكون قد تخطيناها الآن- من مبادئ وفكر بين الطلبة..

   العمل النقابي حسب ما أرى ( وسيلة ) عن طريقها تستفيد أمور عدة لا تنحصر بعضها بها فقط لكنها نوعا ما تُسهّل الأمر، فبالجانب الإجتماعي مثلا يتيح لك التعرّف على الناس وتكوين علاقات معهم فـ”معرفة الناس تجارة”، وفي الجوانب التي قد تكون مسؤولا بها تكتسب خبرة جديدة، وإن لم تكن جديدة عليك فتنمّيها وتمارسها، فعلى سبيل المثال لا الحصر جانب خدمة الطلبة كإعطاء الدورات التعليمية ( تقوّي مهارة الشرح، تواصلك مع الطلبة، تقديم خدمة تُحسب لك، القدرة على التنظيم)، أو في الجانب الإعلامي وهذا ما جرّبته شخصيا فهو مجال يتيح لك تقوية مهاراتك الإعلامية وكوني اعتدت على المجال الإعلامي الديني فالشغل في العمل النقابي وسّعلي المجال واكتسبت خبرة أوسع منها ( التصاميم سواء من أفكار؟ طرق؟ أماكن المطابع، أنواع الطباعة .. ) أو ( التصوير والفيديو والدعاية ) وغير ذلك.

    اسهابا في الحديث أتطرق إلى وجه الخصوص في مثل هذه القائمة التي تجمع أناس من مختلف التوجهات والمراجع الفكرية، مما يتيح لك المجال لتجلس معهم وتتناقش في أمور مختلفة، وتستشف الآراء المتباينة حول شتى المواضيع، ربما تكتسب معلومات جديدة لا تكون محصورة فقط في البيئة التي أتيت منها، وترسخ مبدأ التعددية وتقبل الاختلاف.. 

    شيء آخر، هناك أمور كثيرة يحتاجها طالب الطب، لحياته المهنية والعملية، وأمور أيضا يضعها الطالب مسؤولية على عاتقه، كنشر التوعية الصحية في المجتمع أو بالأحرى التطوع فيه، والتطوع في المجتمع لعلها من أمتع التجارب وأثوبها.. فيفترض أن لا يقتصر دور الطبيب وطالب الطب على المستشفى والعلاج وهذا ما نتعلمه، وأضيف لتلك الأمور حضور المؤتمرات وتنظيمها، ومهمات إنسانية كإغاثة المنكوبين وإسعافهم.. وغير ذلك الذي نراه بصور جميلة في روابط الطب عالمياً .. فلا يمكن بكل بساطة تحقيق كل ما ذكرته بشكل فردي ولا يمكن أن يتحقق أيّا من ذلك إن كنا فقط ( نهتم بدراستنا ) ولم يبادر أحد منا للسعي في تحقيق ذلك.. فكل ذلك يعود لجهود عمل جماعي تحت مظلة رابطة طلبة الطب، ولا أراه يتحقق بـ”إحترافية” ولا بالصورة التي أريدها إلا مع القائمة الأكاديمية.. التي جعلت كل هذه الأمور واقعا ممكنا في كلية الطب بجامعة الكويت.. بل ووصلت إلى مستوى لم تعد بحاجة ماسة فيه إلى مقاعد ( رابطة ) وهي قادرة على تحقيق الكثير وهي.. نعم.. مجرد ( قائمة ) كما يصفها الكثير..

    خلاصة ما أرمي إليه أن هذا المجال النقابي هو عمل تطوعي إن توفرت الظروف المناسبة ولم يشكل تغيّر سلبي في حياة الإنسان لن يكون إلا كنز من الفوائد التي قد لا تتوفر الفرصة للحصول عليها إلا أثناء فترة وجودك في الجامعة..

    هذه تجربتي المختصرة جدا التي قد أو قد لا تنطبق على أشخاص آخرين في مختلف الكليات.. لكن يبقى رأي أرجو أن يكون متوازن.. بلا إفراط ولا تفريط.

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s