شيء عن الموت، وتوصية قبل الرحيل ..

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم

يعيش أغلبنا في حلم، قليل منّا استيقظ، أقل منهم إستطاعوا النهوض، وقلّة قليلة أكملوا المسير ..
في حديث مشهور عن أمير المؤمنين (ع) يقول فيه: ” النّاس نِيام فإذا ماتوا إنتبهوا
لا بد أنه يوما من الأيام عدت من عملٍ مُتعبٍ أنفذك قواك.. فما إن وصلت إلى محطةٍ للراحةِ.. أغمضت عينيك لا إراديا واستغرقت في النوم دون وضع منبّهٍ أو توصية أحد ليقوم بتنبيهك، ربما حلمت بأمر جميل؟ ربما راودك كابوس؟ بالنهاية ستقوم فجأة لتبحث مسرعا عن ساعة لمعرفة الوقت، لتكتشف بعدها أنّك لم تنم طويلا، فتعود إلى الواقع.. وما أشبه حال غفلتنا في هذه الدنيا كمن نام فتعطّلت حواسه عن الشعور بالواقع، وبالرغم من اننا في حال يقظتنا تعمل حواسنا إلا أننا لا نرى الأشياء على حقيقتها ولا نشعر أو نعلم بتمامها أبداً، حتى اذا أضاع الإنسان الغافل حياته وجاءه ملك الموت دون موعد مسبق ونزع روحه عن جسده ( إنتبه ) من غفلته ونومه وانتهى حلمه ليرى تلك الأمور كلها بعين حقيقتها ويرى الواقع كما هو.. لكن ألا يمكننا الإنتباه قبل الممات؟ وإن كان الإنتباه مرهون بالممات.. فلم لا نموت قبل أن نموت؟ كما روي عن سيد المرسلين (ص): “موتوا قبل أن تموتوا” فنكون بذلك قد انتبهنا.. وما نريد بهذا الإنتباه سوى إلتماس حقائق الأمور ولو من وراء حجاب.

    الأمر ليس ببساطة فتح العين، وما فتح العين إلا خطوة بسيطة تبدأ بها المسير، فيتطلب تزكية للنفس وجهادها، وطلب العلم، والعمل به.. والأهم منه توفيق وعناية إلهيتين، وأسباب بين الأرض والسماء -روحي لهم الفداء- يوصلوك لهما..

    في الحقيقة لا أجد لكلماتي مقام بين كتابات من أبدعوا بوصف هذا الموضوع واسترسلوا فيه.. واكتفي بهذا الشاهد لأنتقل إلى أحد أهم مراحل هذه الصحوة.. علمك بأن هذه الدنيا دار بلاء وفناء، وأنّ الآخرة هي دار البقاء.. فتكون زاهدا بما في الدنيا، لا تهتم بزخارفها، وتبغض البطالين ومجالسهم وتأنس بالذاكرين ورفقتهم، تكون كالمسافر الغريب، تأخذ كفايتك منها التي توصلك سالما غانما إلى غايتك، ولأن الإنسان العاقل يهدف للبقاء ودائما يطمع بالرفعة، الأولى أن يبحث عن رفعة دائمة لا زائلة! والأعجب حين ترى من يوهم نفسه بالخلود في دارٍ سريعة الزوال، روي عن رسول الله (ص): “ مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا الا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها “، في ظل هذه السرعة ينبغي بل يستوجب على العاقل أن يستغلها أيّ إستغلال سيّما وأن الآخرة حصاد ما زرعته في الدنيا من أعمال -وهذا على أقل تقدير-، أمّا أصحاب الأهداف العظمى الذين يسيرون وفق الغاية الإلهية من الخلق ويسعون إليها، لا يهمهم طال بقاؤهم في الدنيا أم قصر طالما أنّهم في كلّ لحظة يرقون إلى مزيد من التكامل، فيتمنى أن تطول حياته ليقدم بها مزيدا من الطاعات، لكّنه يرحّب بالموت أيان طرق بابه “ وَعَمِّرْنِي مَا كَانَ عُمْرِيْ بِذْلَةً فِي طَاعَتِكَ، فَإذَا كَانَ عُمْرِي مَرْتَعَاً لِلشَّيْطَانِ فَـاقْبِضْنِي إلَيْـكَ قَبْـلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُـكَ إلَيَّ، أَوْ يَسْتَحْكِمَ غَضَبُكَ عَلَيَّ ” (١)

قبل الرحيل:
أما أنا الفقير المسكين إلى الله أعلم يقينا أني لن أدخل الجنّة بأعمالي، لكن برحمة الله وفضله وعنايته (٢).. وبوساطة وسيلتي إليه حيث أمرني، وأعلم أني مهما وصلت من درجات رفيعة فلن تنفعني إذا لم تحسن خاتمتي (٣).. لذا هي أمنية أن استشهد بين يدي مولاي صاحب العصر -روحي فداه- أو أثناء خدمة مولاي أبي عبدالله الحسين (ع).. لتكون نعم النهاية.. حيث أكون مع الفائزين وأدخل مع الخُدام.. واركب أوسع سفن النجاة !

توصية:
بإذن الله سأشد الرحال وأتشرّف بعد أيام لزيارة الأربعين والمشايّة، وعلى أن الأمور آمنة وهادئة، لكن تربية الإمام الحسين (ع) هكذا، أن لا تبالي الموت! وحيث أني أردت كتابة وصيّة لما فيه من استحباب لكن وجدت أني لا أملك شيئا ولا وصيّ لي، فلا زوجة ولا أبناء.. حسبي والداي وإخواني وأهلي وأحبائي، ولو كان لي وصي إلى جانب أملاك، فلا حزن ولا حسافة، كم رحل آباء وأمهات وحزن عليهم أبناءهم بضع سنين لكن استمرت حياتهم لانها بتدبير عزيز مقتدر، والحياة لم لا ولن تعتمد على شخص.. رغم أنّ الكثير ممن هم تحت الأرض كانوا يظنون وهم أحياء أنهم إذا رحلوا ستتوقف، ولم تتوقف، ها قد رحل العظماء واستمرت الدنيا وحل محلهم عظماء غيرهم.. وهذا مسير الدنيا الطبيعي.. ختاما ما وصيّتي لأحد سوى الإلتزام مع أبي عبدالله (ع) بحضور مجالسه والبكاء عليه وإقامة شعائره وكثرة زيارته.. وهذا الأمر كفيل بأن يهديك إلى ما ينجيك، وبعدها لا تنسوا القرآن والعترة.. وخذوهم من الثقاة، علمائنا الأعلام ذوو العقيدة الصلبة، الذين يلتزمون بكلام أهل البيت (ع) ولا يضيفون بدع آرائهم ..

متى ما كان يومي الموعود فالتزموا لي بآخر باب من الباقيات الصالحات.
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.. ومن هنا اذا رحلنا فلا تنسونا من دعائكم
والحمدلله رب العالمين.

هوامش:
(١) من دعاء مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين (ع).
(٢) كما هو في أحد الأحاديث المروية عن النبي (ص): ” لا يدخل الجنة أحد بعمله ” إلا برحمة الله ..
(٣)  ما يستفاد من قصّة لإخوين اثنين، كان أحدهما مؤمنا تقيّاً والآخر مذنبا مسرفا، وفي أحد الأيّام قرر كل منهما أن يزور الآخر ويجرب معيشته، في أثناء الطريق وافتهما المنية، فحشر المؤمن مذنبا لأن كانت نيته الأخيرة وخاتمته الرغبة بمعصية الله، وأخوه المذنب حشر مؤمنا تائبا لأن كانت خاتمته الرغبة بطاعة الله .. وأنقلها على سبيل الحكاية لا غير.

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s