وتبقى أُمنية..

أمنيّةٌ هي .. في أطراف المدينة، في بيتٍ متواضع، يؤذن عند الفجر أبوهم فيبدأ يوم تلك العائلة بالصلاة، فتجديد البيعة لصاحب عصرهم، العجل العجل يا مولاي يا صاحب الزمان.. يعقب ذاكَ زيارة عاشوراء، مُطعّمةٌ بالمراثي والدموع، إمتثالا لـ”لأندبنّك صباحاً ومساءً” .. تراهم يجتمعون على مائدة بسيطة تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، حلالاً طيّبا شهيّا، يلقي أحدهم على الآخرين كلمة من نور الكلم، فيحمدون الباري بعدها على ما أنعم، ثم يتسابق صغارهم على خدمةِ أمّهم ومساعدتها ويشجعهم أبوهم، إن انتهوا خرجوا لأخذ جولة في الممشى لتُنشط أبدانهم وتصفى أذهانهم، حتى يتوجّه شبابهم كلٌ إلى دراسته وعمله بعد أن يُقبّلوا رأس أمهم ويديها، فتدعو لهم بالحفظ والتوفيق، ذاك الأب في مقر عمله يرجو الإخلاص فيه والتفاني ليكون كادّا على عياله، طالبا الرزق الحلال، وأبناءه في مدارسهم يمتثلون لأمر إمامهم الصادق (ع) أن: “كونوا زينا لنافيطلبون علوما ويجتهدوا ويتفوّقوا في ذلك وفي أخلاقهم، يحترمون الكبار، ويغضّون الأبصار، ويثيرون الأفكار، ويصاحبون الأخيار، يفرّون من الأشرار، ملتزمين بصلاتهم، متمسكين بأحكام دينهم، غير ناسين لمراقبة الله لهم، يأمرون بالمعروف ينهون عن المنكر،  فيعودون بعد انقضاء ذلك في لهفة وشوق إلى المنزل، لتجمعهم تلك المائدة المتواضعة التي لا تبذير فيها ولا إسرافا، فيحكي كل منهم ما جرى وما رأى، يفيدون بخير ما تعلموا، ويحذّرون من شرّ ما جرّبوا، لا تخلوا أيّامهم من البلايا والمشاكل، تشغلهم بين كل ذين مشاغل.. بعيدا عن التفاصيل، فكلّ يوم يحمل مفاجأة جديدة، لكن لا بد وأن ينتهي يومهم بمجلس رثاء يعقدونه في وسط منزلهم مع الدعاء لسلامة إمامهم الذي بفضله وبركته يضمن سلامتهم، فيرقدون آمنين مطمئنين في أوّل ليلهم، خفيفو البطون، قريرو العيون..

إذا أتى محرّم يتشح المنزل بالسواد، يساعد الأبناء أباهم بتعليق تلك الأقمشة المباركة، لا يرى منشر الغسيل طيلة شهرين سوى سود اللباس، وقد ورثوا من جدّهم التخلق والتأدب مع مصائب أهل البيت (ع) واحترامها، فلا زينة ولا فرح ولا سرور، تراهم بين المجالس يجولون، وللهو واللعب تاركون، وللشعائر الحسينية مُقيمون، ولا تدري ربما وفّقهم الله لأن يكون لديهم في منزلهم مجلسا حسينيّا، قد نذروا أنفسهم للتشرف بخدمة الباكين على الحسين (ع)، ذاك يسقيهم من الماء، وآخر يرتب النعل والأحذية، وبناتهم يعدوا ما بوسعهم من البركة، والمجلس لا يرتقي منبره إلا عالمٌ ثقةٌ جليل يرسخ العقيدة الحقّة والمعارف من مصادرها يشاركه أصحاب المجلس حق الولاء والبراء، أو ناعي أو رادود ورع تقي، لا يفرق بين الخدّام، يبدأ ويختم بالدعاء لتعجيل فرج الإمام (ع).. ويأتي الأربعين فيشدّوا جميعا الرحال لكربلاء موكّلين أمرهم للمولى أبي عبدالله (ع)، غير آبهين بهموم الدنيا وأغلالها!

وكذا طوال العام إن كانت لآل أحمد حزنٍ حزنوا، أو فرح فرحوا..

في شهر رمضان لهم أجواء خاصّة، استثنائية، يعيشون خلالها الزهد والبساطة، العلم والعبادة، لا يلتهون بفساد أبناء الدنيا وأسقامهم، ولا تُلوّث أوقاتهم قذارة أيام الظلام..

ليلة الجمعة، ساعة روحانيّة تجمعهم، سورة ياسين، كُميل، ووارث.. حتى يتبين فجرها يصطحب الأب أبناءه للمسجد ليقرأ دعاء الندبة، فيرجع بشيء من الفاكهة والرمّان، تكون لهم ساعّة للتفقّه في دينهم، يحضّر مسبقا كل فرد درس/قصة/موضوع ليتكلّم عنه ويقدّمه لبقية أسرته.. فيتهيؤون جميعا للصلاة ظهرا في المسجد مجددا والإستماع للخطبة جيّدا، وبعدها حق الصلة فيزوروا أرحامهم.. وإن عادوا -في غير أيّام المصائب- مارسوا هواياتهم المختلفة، وليلعب الأطفال وليمرحوا..

في تلك الغرفة يشع منها نور.. أرفف كثيرة تحمل عناوين كأصول الكافي، بحار الأنوار، مكيال المكارم، منتهى الأمال، الغيبة، المحجة.. إلخ، وكتب أخرى علمية في الطب، في الهندسة.. معلومات عامة، روائيات وقصص.. بها جوٌ مهيأ ليقرؤوا جميعا في ساعة واحدة.. فيعيشوا بينها، ويتحصنوا ضد سُرّاق العقول، تلك الأحزاب والتيارات، يصونهم أبوهم ويقوّم أفكارهم، فيرفع عنهم ضيعة السذاجة، ويغرس بهم وعياً ونباهة، يلتمسون من ربّهم قوة البصيرة..

وأما الإخوان فلهم مع بعضهم أوقاتهم، يحترم صغيرهم كبيرهم، ويحسبه كأبيه، شاغبوا تعاركوا تراضوا أو تزاعلوا، ذا أمر طبيعي.. بل وممتع أحيانا لكسر الروتين، لكن لا كما بقية مجتمعهم، فيظل الإحترام متأصل بهم.. يخاف كل منهم على الآخر، يتناصحون بالبر والمعروف..

وذا مشروع يحتاج “قوّ على خدمتك جوارحي، واشدد على العزيمة جوانحي“، إلى جانب زوجة وأم، نعم المرأة المجاهدة في سبيل الله، قدوتها أمّ البنين (ع)، أنذرت نفسها وعائلتها لإمام زمانها مطيعين له منتظرين لأمره، يقضون أوقاتهم خداما له ولجده الحسين (ع)..

لكن..

يبقى هذا كلّه في النهاية.. أمنية.. ليست مستحيلة، بهذه الصورة هي رائعة، لكن في تفاصيلها تحوي الكثير، وفي كل جانب منها مقال،،

كانت كلمات تجول في خاطري أطلقتها بشكل عفوي.. كما اعتدت دون تكلّف.. وأرجوك أيّها القارئ نبهني من حلمي لأعيش في الواقع مجدّدا !

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s