ما عرسه إلا المنيّة ..

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم والعن أعدائهم.

يمّه ذكريني .. من تمر زفّة شباب
من العرس محروم .. حنتي دم المصاب
شمعة شبابي من يطّفوها
حنتي دمي والجفن ذاري التراب

كانت هذه من أولى القصائد التي تشرّفت بترديدها في أوّل مشاركة لي بحسينية المرحومة بيبي العلوية -شارع عمّان-، وكان عمري آنذاك قرابة الاثني عشر عاما، وكنت أجد مثالاً عظيما يحتذى به مولاي القاسم بن الحسن (ع)، وإلى هذا اليوم في المجالس هنا وهناك لم تمر علي سنة دون التطرق لقضية زفافه سواء في النواعي أو في القصائد الراثية .. وإن كان هناك بعض الخطباء الذين لا يتطرقون إلى القضيّة لكن بشكلٍ عام لا بد وأن أرى الشموع هنا وهناك وتلك الصواني التي تحمل الحلويات كنوع من البركة، وما أكثر المجالس الصغيرة التي لم تعتاد على المشاهد التمثيلية إلا أنها في ليلة الثامن تراها تجهّز ولو بشكل متواضع جدّا ما يرمز إلى قضيّة زفاف نجل الحسن (ع) وتوزع الشيء اليسير.

إنه لا يخفى على أحد أن واقعة الطف هي مصيبة السماوات والأرض وما جرى على أحد في العالمين من السابقين ولن يجري على اللاحقين مثل ما جرى في عاشوراء، ولا أدري أكتب هذه العبارة بحسرة؟ أم بحمد وثناء؟ أنه لم يصلنا من حقيقة ما جرى من تلك المصائب إلا القليل، سواء لضياع كثير من الكتب والمصادر، أو أنّ المصادر المعتبرة تحوي أحاديث من الأئمة -عليهم السلام- تنص أنهم لم ينقلوا كامل الوقائع كما الرواية عن الإمام الباقر -عليه السلام- : ” لولا خوفنا على شيعتنا لروينا لهم ما جرى في كربلاء(#١) فلا أدري بعد كل هذا الذي سمعناه ؟! ماذا هناك بعد؟! وهذا غير العديد من الروايات التي تشير إلى أنّ مهما سمعتم من مصائب فإنها لن تبلغ حقيقة ما جرى !!! وإنّها لمصيبة عظمى في يوم عظيم إحتوت كل أيّام ابن آدم ولخصتها ودروسها.

عودة إلى مولاي القاسم (ع)، الذي يحكى أنه فتى بقريب الاثني عشر ربيعا من عمره الشريف، مؤمن مخلص مطيع لإمام زمانه، إذ كان الإمام الحسين (ع) اشتاق لأخيه الإمام الحسن (ع) نظر إلى القاسم (ع)، ولطبيعة الظروف الإجتماعية عند العرب قديما فإن العادة جرت على تزويج الأبناء فور بلوغهم الحلم، وكان ابن الاثني عشر عاما في وقتها كالعشريني في زماننا، رجل يتحمّل المشاق والتعب والمسؤولية،  وكانت ولا زالت أمنيّة الأم الحنونة أن لا تفارق الحياة حتى تزف أبنائها في عروسهم، وكم وكم نكرر هنا وهناك أهميّة دور الشباب في المجتمعات وأنهم هم القوّة والنشاط والعطاء ويفجع الناس فقدان شاب ويولد فيهم حسرة وندم لا نراها تحصل مع كبار السن، فهذا القاسم (ع) في بداية شبابه يسأله الإمام الحسين (ع): “كيف تجد طعم الموت؟” فيجيب: “والله يا عم ان الموت بين يديك لأحلى عندي من الشهد والعسل،” فنستلهم منه الإخلاص والإقدام على نصرة عمّه وإمام زمانه مولاي الحسين (ع) وإذ كما تنص الواقعة أنه أراد أن يتقدم للمبارزة ذودا عن الإمام وحرمه، بعد أن نادى الإمام “هل من ناصر ينصرنا؟” لكن الإمام رفض طلبه وقال: “يا ابن اخي أنت البقيّة من أخي الحسن، كيف أعرضك لضرب السيوف وطعن الرماح؟” حتى عرض القاسم (ع) وصية والده الإمام الحسن (ع)..

إلى هنا بعض العلماء يذكرون ورود تتمة تشير إلى أن الإمام الحسين (ع) أيضا كان مُوصى من قبل الإمام الحسن (ع) بأن يزوج القاسم (ع) لإحدى بناته، ودون التطرق لتفاصيلها إلا أن نفس تلك الرواية بها أن أجري العقد لتنفيذ الوصيّة ورغم أن كل شاب أمنيّته أن يتزوج -وهو من أشد الأمور التي يوصي بها الرسول (ص) والأئمة (ع) بأن يتزوج الشباب- لكنّه قال فيها: “.. فإن عرسنا أخرناه إلى الآخرة،” تاركا الدنيا وملاذتها زاهدا فيها مقدما أغلى ما يملكه في سبيل الله ونصرة إمام زمانه، لينال الشهادة والمنزلة الرفيعة! وزفّ إلى تلك الشهادة، ولما لا تكون هذه القضيّة لها خلفيات غيبيّة ؟! ألا يكون نوع من التكريم للقاسم (ع) بأن يقترن بسيد الشهداء ويكون نسيبا له، تلك الصلة العظيمة في عين أهل البيت -عليهم السلام- ؟!

ومن باب المصيبية إن صح التعبير، أليست هذه الحادثة مصيبة؟! أم أننا سنطرح كما الشبهات الأموية لماذا هي حزينة؟ ولماذا نبكي وهو قد نال الشهادة وهو سعيد! وانه عظيم نبكي لعظمته لا لأنّه حُرم من زواجه، والواقع لا يقول أن البكاء لهذا السبب إلا أنها من المصائب الواردة التي تثير مزيدا من الحزن، وما أرى فنون التعبير عن هذه الحادثة في المجالس حيث يعتبرها الكثير من الشعائر والعادات السنوية، إلا ما يؤدي لتجييش العواطف ومزيد من الحزن، إضافة للدعاية والإعلام الذي هو مطلب مهم، وليست الغاية الأساسيّة منها إثبات الزواج من عدمه كما يصوره البعض، وقد زادت كم الهجمات في السنوات الأخيرة كما كانت قبل أعوام على الشعائر بشكل عام، وذا موضوع لن أتطرق إليه في هذا المقال.

في النظر الى بعض وجهات نظر عوام الناس وجدت شبهاتهم مُجاب عنها في أكثر من مكان وسأضع روابط لبعض المواضيع، لمن يشاء أن يقرأ المزيد فليراجعها (#٢)، لكن هناك مسألة خطرة اعتدنا عليها هي بتر الكلام وتحريفه وتحويره حسب المزاجيّة، فمن المصائب عندما يأتي خطيب يريد فرض توجهاته فيستعمل نصوص المراجع بطريقة يوجه بها الناس -خارج دائرة الحوزات- إلى وجهة معيّنة، ما أعنيه بشكل أوضح هو أن يأتي خطيب ويستخدم عبارة ( لم يثبت ) من فتوى أحد المراجع ويقول للناس إذن “لا يجوز” ولم أقل أنا إنما المرجع قال ! والحال نفسه حين يأتي من لا يعرف عبارات ومصطلحات الفقه وكيفيّة قراءة الرسالة العملية للفقهاء ليقول لم يثبت معناه غير وارد!!

واذا سلمنا بهذا الأمر فيجب علينا أن نسلّم بأن واقعة عاشوراء بما نعرف من تفاصيلها لم تحصل، لأنها غير ثابتة بشكل كامل ! فالصحيح من الروايات حول عاشوراء لا تصل إلا إلى صفحتين أو ثلاث، ولن نجد أنفسنا قادرين على الإستشهاد بكلمة الإمام الحسين (ع): إني لم أخرج أشرا ولا بطراً ! ولن نستطيع أن نثبت كيفيّة مصرع الإمام الحسين (ع).

أنقل عن أساتذة الحوزة “أنّ عدم الثبوت لا يعني أنه قد ثبت عدم القصة وفرق كبير بين عدم الجزم بالثبوت وبين الجزم بعدم الثبوت،” ولن أخوض مزيدا في هذا الأمر وأيضاً أترك التفصيل لتقرؤوه أنتم. (#٣)

تبقى نقطة أخرى مهمة يجب التطرّق إليها، أنني لا أستطيع أن أتصور أن هناك حرام يحدث أمام أعين المراجع وبين يديهم تأثير وها هي إستعراضات زفاف القاسم (ع) تحصل أمامهم دون ان يبدر أي موقف ضدها من قبلهم ! فإما أن المرجع راضٍ بالحرام وهذا إفتراء عظيم !! أو أننا نسلم بأن مسألة ( لم يثبت ) لا يتنافى مع عرض الرواية.

وجدت هذه الفقرة مناسبة للعرض هنا (#٤)

ختاما أقول يبقى أن أهل الإجتهاد لهم آراؤهم وأدواتهم للبحث، ثبت عند هذا أم لم يثبت ولست بصدد ولا بأهل لتأييد هذا دون ذاك، وليس هذا المناط أصلا، طالما أن الجواز صادر بالعمل على الظاهر دون مخالفة الشريعة، ولأن القضية تاريخية لا مانع من الإختلاف فيها، فلا أدّعي الجزم بحدوث الواقعة ولا أرضى بذلك لكن بنفس الوقت لا ارضى بأن يتم تكذيبها دون دليل أو بناءً على الظن والأهواء وغير ذلك من أمور، فمن الغريب أن توّجه تهمة أن القاسم (ع) الذي في بالكم لا همّ له سوى العرس والزواج، ولا والله، ارى أروع الأمثلة والدروس تضرب وهذا جانب من المصيبة فقط، وهذه الشبهة تتكرر مع كلّ شيء، “فلماذا تبكون على السيدة زينب (ع) وكأنّ كل همّها أن يرجع أخيها؟” ولا أدري كيف يجرؤ هؤلاء على تجريد إنسانية أهل البيت (ع) ؟؟! ويستصغر هذا الأمر على عظمته ! ان دعا شيء للإستغراب فهو هذا الهجوم المستمر على عرس القاسم وكأن لا هم لهؤلاء واقعا سوى هذا الهجوم الذي لا أدري ما نتيجته! فليفعل كل منا ما يراه مناسبا دون إعطاء الذريعة للمتربص أن يضعف من رسالتنا.. فها هم ينتظرون أي فرصة منذ فجر العاشر لمحو الواقعة من التاريخ وهيهات لن ينالوا مطلبهم.

والحمدلله رب العالمين.
٨ محرم ١٤٣٤ هـ


الهوامش:
#١ : لم أجد المصدر بعد.
#٢ : *كتاب “عرس القاسم بن الحسن (ع) بين الحقيقة والخرافة” للسيد هاشم الهاشمي.
* “شبهات وردود حول عرس القاسم” موقع الشيخ محمد العاملي.
#٣ : من هنا
#٤ : الوصايا العشر، ش عباس بن نخي.

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s