وقفة مع البقيع

Image
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن اعداءهم.
..
اتذكر أوّل زيارة لي للمدينة المنورة في رحلة شبابية الى العمرة، وكان اول مشهد من مشاهد الأئمة التي وفقت للوفود اليها.. ورغم المضايقات والمنظر المؤلم الذي ينتاب اي موالٍ فان حالة الغربة والوحشة بالنسبة إليّ كانت في حدٍ طبيعي او ما دونه بقليل، ولم تزداد قوة الشعور بالغربة الا بعد زيارات متكررة ومعرفتي بواقع الهدم، وما بدأت اشعر بحرقةِ قلبٍ الا حين النظر الى زوار البقيع وهم يتأملون القبور الشريفة وتجري دموعهم على وجناتهم، فتجري دموعي لا اراديا لتتضامن معهم، ويشارك قلبي همهم..
..
اتوقف هنا وارحل معكم الى احداث تفجير سامراء، كنت للتو -في يوم التفجير الاليم- استقبلت رسالة على الهاتف بانه “انا لله وانا اليه راجعون ايادي الغدر والعداء فجروا مرقد العسكريين (عليهما السلام)“، فقمت فزعًا وركضت مسرعًا لافتح التلفاز -ما لم يكن من عادتي- لاشاهد ما فجع قلبي وكأن احدهم قتل اهلي وسرق مالي واستباح مدينتي، لا بل اعظم! شعرت وكأنهم قتلوا ائمتي مجددا وقتلوا قلوب شيعتهم وانا مكبل الأيدي لا املك سوى استنكار هنا وهناك دعاء، او شعر رثاء أو اسراف في بكاء.. واتألم لرؤية اثار التدمير والضحايا والصراخ والعويل!
..
دارت الايام ووفقني الله لزيارة العتبات المقدسة في العراق لأول مرة في حياتي (قبل عام من الآن في مثل هذا الوقت، واترك تفاصيل الرحلة لمقالة أخرى)، فما ان وصلت ارض سامراء، انتابني الحزن العميق..
مدينة مهجورة! صاخبة بهدوئها!! حارة وجافة!! محاطة بالاسوار الشامخة! رجال امن ومدرعات ملئت ضواحيها، ودرب طويل مشيناه حتى وصلنا الى نقاط تفتيش مكثفة لم اخوض مثلها قط، حتى وصلت ورأيت القبة دون ذهب، تشييّد لم يكتمل بعد، واثار الدمار لا زالت واضحة..!
..
 بعد الاستئذان دخلت للصحن الشريف، وما شعرت بشعور غربة ووحشة مثلها ابدا .. حتى اذا دخلت ورأيت صندوق من الخشب بديلا عن الضريح المذهب.. وما ان شرعت بقراءة الزيارة، لم اتحمل واجهشت بالبكاء!! بكاء كما فقد الطفل أمه، او كما فقدت الأم طفلها! بكاء الثكلى..!
 ولسان الحال كأني أحاورهم:
ماذا فعلتم يا سادتي حتى يبغضوكم؟ ولماذا هذا الحقد الذي يملكوه تجاهكم؟! حتى قبوركم لم تسلم من عدائهم وحقدهم!! فما ذنبكم؟؟!! ولماذا هكذا نتعنى ونتمرمر لزيارتكم؟! كل هذه التفاتيش، كل هذه الاجراءات، وحتى بعدها لا يسمح لنا الا ان نزور لمدة يسيرة ثم علينا الرحيل..
..
اختصر بهذا القدر لموضع الشاهد، انني استوعبت حينها ما لم استوعبه في البقيع، لانني شهدت واقعة التفجير وتولدت حرارتها في قلبي، على خلاف البقيع؛ فتحت عيناي على الدنيا وهي كما هي الآن.. والواقع ان في سامراء الامور تعود رويداً لما كانت عليها سابقا، خاصة وقد ضُمَّت الى الوقف الجعفري مما سهل الامر وجعله في ايادٍ آمنة، فرغما من انها فترة عصيبة مرت على سامراء، لكن في صعوبتها، يحق لنا الاستئذان! والصلاة في الروضة والوصول الى الضريح الطاهر، والدعاء تحت قبة مستجاب تحتها الدعاء!
..
لكن ما حالنا في البقيع؟! ولا نملك سوى ان ننظر بحسرة الى القبور الطاهرة مكشفة بلا قبة ولا ضريح، بلا منارات ولا رواق، لا صحن ولا روضة، ما ان قرأنا زيارة جاءتنا الاسواط من كل حدب وصوب، وان اخرجنا كتاب سحبوه ورمونا بالشرك! وان ناقشت احدهم قد ينتهي مصيرك الى السرداب والتعهدات!! ومع هذا كله، لا تفتح ابواب البقيع الا بعد الفجر قليلا، والعصر قليلا، ولا نصيب للمؤمنات منه!! .. آه من الحسرة، وما ذكرت إلا غيض من فيض الشكوى والأحزان..
..
فلا ادري الآن بعد اكثر من ٤ سنوات وانا لم اوفق لزيارة المدينة المنوّرة -بعد ان عرفت حجم اللوعة- كيف ساتحمل الزيارة، فلا ادري اشد الرحال اليها؟! ام اخجل من ذلك وابقى بعيدا؟!
..
كتبت هذه المقالة بكل عفوية، ولم ادقق في العبارات لاني اردتها ان تخرج من القلب لتدخل الى القلوب..
..
السلام عليك يا مولاي يا رسول الله (ص)
السلام عليكِ يا مولاتي يا فاطمة الزهراء (ع)
السلام عليك يا مولاي الحسن بن علي المجتبى (ع)
السلام عليك يا مولاي يا علي بن الحسين السجاد (ع)
السلام عليك يا مولاي يا محمد بن علي الباقر (ع)
السلام عليك يا مولاي يا جعفر بن محمد الصادق (ع)
السلام عليكِ يا مولاتي يا أم البنين (ع)
السلام عليكم جميعا، وعلى الارواح الطاهرة من اوليائكم المدفونين بالبقيع الغرقد ..
..
ختاما
اسأل الله تعالى أن يعجل في فرج مولانا صاحب الزمان روحي فداه، وان نبني سوىً البقيع الطاهر ونوفق واياكم لزيارته.
..
والحمدلله رب العالمين.
ذكرى هدم البقيع ٨ / شوال.

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s