أوّل الدين معرفته *

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله رب العالمين وأزكى الصلوات وأتم التسليم على خير الأنام محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق -عليه السَّلام- أَنهُ قَالَ : ” إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ عَلَيْهِ قُفْلٌ وَ مِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ ” (*٢).

عادة ما تبدأ المعرفة بسؤال، وليكن سؤالنا في البداية هنا ( لماذا ؟ )، فلماذا أعتقد بهذا الدين؟ ولماذا هذا المذهب بالخصوص؟، لماذا أتّبع هذا العالم دون ذاك؟ لماذا أمارس هذه الشعيرة؟ أو أحارب تلك؟ لماذا ولماذا والأسئلة جمة لا تحصر، لا يملك الإنسان إلا أن يحدد أهمها ويبحث عن الإجابة، فمجرد طرح هذا السؤال يشكّل فارق بينه وبين من يتوارث الأديان والعادات والتقاليد ويكون متلقي لا يعي ما يفعله، والأخطر حين يتعصب لها كتعصب الجاهلية الأولى، قال تعالى: “ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) ” . (*٣)

هذا التوارث والتعصب ليس منحصر في العقيدة الأساسية، بل يتفرع لأفرع أصغر فأصغر، فالمعتقد الأساسي -كالإسلام مثلا- هو رأس الهرم الذي ينحدر منه بقية الفروع كالمذهب أو المدرسة الفقهية، وفي هذا المذهب هناك فِرَق، وفي هذه الفِرَق هناك علماء مختلفين عن بعضهم البعض، وتيارات وأحزاب وجماعات، كلٍّ منهم لديه توّجه فكري معين أو ممارسات قد لا يتفق الآخر معها، تصل في كثير من الأحيان إلى التخوين والتكفير ، بل إن هذا التوارث والتعصب يمتد حتى إلى الممارسات التي لا يشترط أن تكون مرتبطة ارتباط مباشر بالدين، كالعادات والتقاليد الإجتماعية التي تختلف من مكان إلى آخر، سواء معاملات معينة، لباس، طعام وغير ذلك.

طرح مثل هذه الأسئلة من جانب والبحث عن إجابتها من جانب آخر، ليس بالأمر البسيط، فأكثر الناس لا يطرأ على بالهم السؤال أيا كان السبب، وإن صح القول الكثير لا يريد أن يسأل ولا أن يعلم، غالبا بسبب ذلك التوارث والتعصب له، أو الجهل والإنشغال ببسائط الأمور، والبعض الآخر قد يخاف من الإجابة وأثارها المترتبة عليه فكما قال الأمير الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- : ” النّاس أعداء ما جهلوا “، ونرى آخرين يسألون دون البحث عن إجابة، أو من يجد إجابة ولا يصدر منه إلا العناد والتضليل والإلحاد! ، بل وأكاد أجزم أن هناك من يقرأ هذه المقالة ويتبادر إلى ذهنه مجموعة من الناس يراهم متعصبين وهو قد لا يختلف عنهم البتّة، فإذا غضضنا البصر عن عامل التوفيق والعناية الإلهية والأسباب الأخرى التي قد تحول بين الفرد والسؤال، يجب أن يكون لدى الإنسان إرادة ورغبة فعلية في السؤال وإستعداد لتقبل الإجابة حتى وإن خالفت هواه أو ما يتمناه، مع مراعاة أخذ العلم ممن هو أهله ومن مصادره المعتبرة، وأما هذا الموضوع “من أين نأخذ المعرفة؟” فأرجو أن يوفقني المولى لكتابته في وقت آخر.

هامش:
* ١ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، نهج البلاغة ٣٩
* ٢ الكافي : 1 / 40 .
* ٣ سورة الشعراء

ملاحظة: قد قمت بكتابة هذا الموضوع في مدونة أخرى، لكن لغرض ما نقلته إلى هنا.

اترك تعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s