هل ينتظر الصيام دراسة علمية؟

         بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله مالك الملك مجري الفلك مسخّر الرياح فالق الإصباح ديّان الدين رب العالمين وصلى الله على سيد خلقه الخاتم الأمين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

انتشر خلال الأيام الماضية ما كتبته إحدى الطبيبات حول مضرة الصيام علميا وعلى أيّة حال، حصل أخذٌ وردّ ففريق يثبت فوائد علمية للصيام بالدراسات، وآخرون يشككون بمصداقيتها تارة – تلك الدراسات المثبتة للفوائد – وتارة بأن إجراء تلك الدراسات تعارض “الأخلاقيات المهنيّة”.

وفي الحقيقة إنّي هنا أوّد قبيل مناقشة تلك القضية بيان بعض النقاط وكمقدمة أقول إن الكلام يمكن تطبيقه على “الدين والمعتقد” إلا أني بهذا المقال أخصّ الإسلام إلا عند الإشارة.

أوّلا، الدين حسب تعريف الكلاميّين – العلماء المختصيّن بعلم العقائد – هو الالتزام والجزاء، فيُجازى المتديّن بما يلتزمه من معتقد ومن ضمنه العبادات.
ثانيا، الأحكام والشرائع الفقهية في الدين الإسلامي على أقسام، منها -إن لم يكن الأغلب- أحكام عامة لها شروطٌ واستثناءات.
ثالثا، هناك أحكام مواضيعها تشخيصية، أي لها قاعدة عامة وعلى المكلّف أن يشخص ما إذا كان الحكم ينطبق على موضوع ما أم لا.. مثلا المسكر حرام، فإذا كان الشراب س أو ص مسكرا حرُم وإلا فلا..
رابعا، وهي الأهم، أن التشريعات والأحكام تؤتى أو تجنّب على وجه الطاعة، وليست بالضرورة ناظرة إلى الغاية أو الفائدة المرجوّة وراءها، وهنا مربط الفرس..

إذا قبلنا النقاط السابقة، يمكننا أن نبدأ بإسهاب في الموضوع.
إن المسلم يعتقد بدين يملي عليه أحكاما وتشريعات، كوجوب الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الحجاب وحرمة شرب الخمر وحرمة الزنا وغير ذلك، والأساس أنّه بصميم عقيدته لا بد أنه متوصّل إلى خالق وهذا الخالق كامل، واقتضت حكمته إرسال الرسل وتشريع تلك الشرائع، ولأحكامها التفصيلية أدوات يبحثها أهل الاختصاص ولا يملك غيرهم أن يبدي رأيًا دون معرفة تلك الأدوات واجتياز مرحلة من العلم بها.

هذه التشريعات قد يكون لها فوائد وثمرات ماديّة محسوسة، صرح الشارع بها مرة، وأخفاها مرة، وحين أخفاها وكانت الغاية غامضة بالنسبة إلينا، صار البعض يرجح فوائد أو يضع احتمالا وللأسف البعض يؤَلِّف فوائد، فلو أخذنا الصلاة مثالا، هذه العبادة الحركية التي بها قيام وركوع وسجود، فقد ذكر أحد ذات مرة أنها رياضة وتقي من أمراض القلب، وآخر قال بأنه حين السجود يفرغ الإنسان الشحنات السالبة في بدنه وتنتقل إلى الأرض.. وغيرها من أمور.
فالسؤال، ثبتت هذه الفوائد أم لم تثبت، هل يصلّي المصلّي لأجلها؟ يفترض أن يكون الجواب لا، فالدراسات تأتي وتذهب، ما يثبته العلم اليوم ينفيه غدا والعكس، فضلاً عن كون كثير من الدراسات المتناقلة عبر وسائل التواصل الاجتماعية دراسات ضعيفة أو غير محكمة أو غير خاضعة للشروط العلمية الصحيحة للبحث. (1)
حرمة شرب الخمر مثالا آخر، ذكر الشرع أنّه يسكر وجعل هذه علة التحريم، ورغم أن العلم متفق –حتى لحظة كتابة هذا المقال- على ضرره على الإنسان “طبيا”، فأقول لا يهم قال ينفع أو يضر، ما دام الأمر تشريعيا، يلتزم المسلم بها من حيث أنه أمر لاعتقاده بأن الشارع حكيمٌ عليم.

وعموما، ذكرنا في المقدمات وجود “استثناءات للأحكام”، إذ في كثير من الأحكام يتطرق إلى استثناء ما اذا كان هناك ضررٌ على الفرد من الالتزام ببعض التشريعات معتد به عقلا، أو أن يكون الإتيان بها متعسرا على الفرد، مثلا من لا يستطيع القيام للصلاة رخص له الشارع أن يصلي من جلوس، وحتى في حرمة الخمر مثلا، يقول الشارع اذا توقف العلاج عليه ولا يوجد غيره فلا بأس بأقل مقدار يمكن به استخدامه..
فهذا الدين السلس اليسر، ليس جامدا معقدا كما يصوّره البعض، فإما يتهرّب من واجب أو يتحايل لارتكاب محرم بتعميمه لدراسة ما مثلا على حكم عام..

وصلنا إلى الصيام، هل ينفع صحيا؟ وإذا لم يثبت أنه ينفع صحيا هل نتوقف عن الصيام؟ وهل يصوم الصائم أصلا للفائدة الصحية؟ فيتحول الصيام من عبادة طاعة لله، إلى رجيم لتحقيق الفوائد الصحية. وهب أنّه ثبت أنّه مضرّ وهو محل الكلام وما أرادت اثباته الطبيبة الآنف ذكرها، في هذا الصدد قام بعض الأطباء مشكورين بالإدلاء بدلوهم، وتوضيح اللبس والخطأ وسأتطرق لذلك لاحقا، فبعد ما كتبت ووضحت من مقدمات وأمثلة، أقول أنّ الشارع المقدّس يرخص لمجموعة من الناس الإفطار حسب شروط معينة، والبحث هنا ليس فقهيا فيمكن الرجوع للمصادر الفقهية لملاحظة من يرخص لهم الإفطار وما هي تلك الشروط (2)، نذكر لغرض البيان مثالا: المريض الذي يشكل الصيام عليه ضررا معتدا به أو يؤخر العلاج بشكل حرجي يمكنه الإفطار، فاذا قلنا أن الضرر الثابت يكون بمثل هذا الشكل، نعم لا يجوز الصيام ووجب الإفطار، وما دون هذا الضرر يكون ضررا محتملا، اذا لم تنطبق عليه الشروط التي ترخص الإفطار، فلتكن تحمل ضررا محتملا وما الضير؟ العاقل يُقدم ويُقبل على أمر فيه ضرر لمنفعةٍ أكبر وأهم، وهذا أمرٌ مسلّم، فالجراحة مثلا تقتضي أن يشق بدن الإنسان وينزف دمه، ويتحمل آلاما بعد العملية ولا يخلو من مضاعفات، إلا أنّه يقبل عليها لمنفعة أهم وهي شفاؤه من مرضه، هذه المنفعة الأهم في الدين لا يقبلها “الماديّون” أو “الـ لا دينيون”، وهي نيل رضا الشارع المقدس وممارسة المتديّن لدينه وعقيدته، فغير المعتقد بالدين الذي لا يصوم مثلا، ما شأنه في دفع المتدينين لعدم الصيام؟ وما حاجته لإثبات أن الصيام مضر أو مفيد إذ النقاش في ذلك المجال يحب أن يكون في أساس الدين ووجود المشرع ومكونات العقيدة قبل مناقشة تفاصيل التشريعات.

ختاماً وبعد أن أثبتنا ما أردنا إثباته، لا بأس أن نرفق ما قد وضحه أحد الأطباء هنا (في هذا الرابط ، حساب د. محمد جمال)(3) فكما ذكر باختصار ما هو متعارف بين العاملين في القطاع الطبي وقطاع الأبحاث أن الدراسات والأبحاث أنواع، ولا يمكن إطلاق هكذا حكم دون وجود دراسة محكمة دقيقة لأثر الصوم طبيّا وأن تكون العينة المدروسة من ذوي العافية والصحة الكاملة، ورغم أني قرأت اعتراضا عليه يقول إن إقامة مثل هذه الدراسة تعد غير أخلاقية بحسب الأخلاقيات المهنية الطبية، إلا أن الجواب سهل، فما دام هناك فئة تمارس عملا ما عن إرادتها، مثلما تم في كثير من الدراسات مراقبة من يقومون مسبقا بالتدخين مثلا عن إرادتهم وملاحظة آثار التدخين عليهم، فكذلك ما الإشكالية الأخلاقية في ملاحظة الصائمين وإقامة الدراسة عليهم خلال شهر رمضان؟(4)

تقبل الله صيام الصائمين، وكفانا شر المتصيدين على الدين بخلط الأوراق وإيراد المغالطات، والحمدلله رب العالمين.


الهوامش:

(1) الدراسات والأبحاث الطبية كثيرة، ويمكن على أي استبيان استخرج نتائج معينة أن يطلق عليه “دراسة” لكن في المجالين الأكاديمي والطبي مجرد وجود دراسة لا يكفي، لا بد أن تكون هذه الدراسة أو أي بحث من الأبحاث قد تم وفق ضوابط وشروط معينة، وتتدرج هذه الضوابط والكيفيات لتعطينا ما بين دراسات ضعيفة ودراسات قوية، حتى نأتي لأقوى الدراسات التي يمكننا أن نعتمد عليها في الممارسة الطبية والأكاديمية وهي الدراسة المحكمة وبعدها لدينا ما هو أفضل وأحكم وهو جمع مجموعة الدراسات المحكمة الموجودة وملاحظة المتشابه بينهم ومحاولة استخلاص نتيجة نهائية.. سأحاول يوما ما كتابة مقال يوضح هذه الأمور لعل بها الفائدة.
(2) راجع أي من الرسائل العملية للمراجع العلماء، باب ترخيص الإفطار.
(3) في حال لم يعمل الرابط: https://www.instagram.com/p/BVIv-tHD41i/
(4) بالرغم من أن الهدف من المقال اثبات أنه لا حاجة لدينا لإثبات النفع أو نفي المضرة، إلا أنه لا بأس من ارفاق دراستين علميتين تثبتان فوائد للصيام: الأولى (هنا)، الثانية (هنا)

Advertisements

Black .. The Symbol of Pride and Grief.

        For centuries clothes have been a very important aspect of man kind’s life, as peoples clothing represents their culture, history, and shows many meanings, one of which is symbolism. There are many types of clothes other than daily and casual wear. For there are special types, say uniforms for work and so, and those formal dresses that are worn for special types of places and/or occasions. Take athletic teams as an example who have their own special uniform. We notice that their fans, who either show up at their matches or even stay at home to watch it on TV, wear the team’s uniform as a form of their support. Another example is whenever a social campaign is being held we usually notice those who run it or support the cause all agree to wear one specific colour. Be it a medical event such as the international diabetes day where people use light blue shirts, or breast cancer awareness campaigns where the logo is pink. These days and probably historical events have witnessed several political and other types of protests and demonstrations. In many of those protests and demonstrations maybe a specific colour / logo is used to show which party one belongs to and supports. All these examples show one great soul of order, co-operation and agreement between individuals of each group, this in fact gives them a form of strength and power. In Islam we have one other greater example of what I mean to explain, and it is the Ihram (the special two piece robe for Haj (pilgrimage) which is of non stitched material) that all those who perform Haj wear regardless of their race and colour. This Ihram worn by the millions of pilgrims shows a great form of equality & asceticism, and is a great symbolic appearance of the glory of Islam and Muslims. 

        When it comes to consolation and mourning, we see that historically and until this day people wear specific clothes to represent their grief and solace. The matter with these clothes was usually about their colour, which in most cases till this moment is black. Other cultures do have other colours or special uniforms, but regardless of this matter it was and remains a very important social semblance, obligation, and morality to wear those clothes; it even might be shameful and unmoral if one does note abide to this social dress code. We also know that what people wear usually expresses their condition, if one is happy he would wear bright & happy colours and titivate himself. In contrast, if one is sad and in sorrow he would restrain usually from colourful and decorative clothes, which could explain the kind of clothes worn while consolation. We notice this religious law in Islam where the widow whose husband just passed away is to restrain from several acts, one of which is to wearing decorative clothes or jewellery (Decorative clothes are not to be worn, neither yellow nor red or any colours that are socially considered joyful, even black if it contains those kind of features) (1). This law could also be found in other cultures and religions. In any event, black may be the most representative colour of sadness, grief, and mourning.

       These days we are in the memory of the most greatest tragedy in history, which recurs year after year, Ashura’; the death of our Holy Imam Al-Hussain in Karbala’. Please observe these narrations carefully: Ibn qoloway narrates in his book Kamel Al-Ziyarat: “ An angel from the uppermost paradise descended to the ocean, spread his wings over it, then shouted a cry: Oh families of the ocean wear the clothes of grief, for the son of the prophet -peace be upon him and his household- is slaughtered.”(2) And what Al-Barqi in his book Al-Mahasen narrated, his script reaches up to Omar son of Ali son of Al-Hussain who said: “ When Al-Hussain son of Ali (peace be upon him) was murdered, the women of Bani Hashem wore black and Al-Massoh (a word probably referring to wool or yarn ), and they had not complained of heat nor cold. And Ali son of Al-Hussain prepared food for them for the Ma’tam (it refers to the place where the mourning ceremony is held for a period of time).” (3)

       And so here we are these days of Muharram & Safar wearing black clothes. Along with them representing grief and consolation, they also are a form of call to the school of Ahlulbayt. Scholars answer about this issue that if people all wear black, others would start asking what the issue is all about? and this is a silent invitation to the school. Add aside to these previous points what was mentioned earlier. So this act of wearing black is a source of power of our doctrine, and became a logo and symbol. The reason why the tens of millions who attend Karbala’ for the Ziyarat ul-Arba’een (the visit on the fortieth day after the martyrdom of Al-Imam Al-Hussain) all together wearing black were called by one of the officials of a foreign country: “The Black Snake”. So this is one part of the Hussaini rituals which maintained our doctrine and religion, and preserved the memory of Ashoura’, which our scholars preserved. 

      I would like to end with this story of Meerza Jawad Al-Tabrizi -a great scholar and marja’ taqleed who passed away couple of years ago- narrated by Sayed Muneer Al-Khabaz: “He -Meerza Jawad- used to wear black throughout the months of Muharram & Safar, and behest to do so. One of my teachers told me once: I had an appointment with his eminence for a specific issue, so I went to his office and he was alone busy with writing. That day was a day questionable to be either the last day of Safar or the first day of Rabee’ ul-Awal, and so I depended on the calendar and didn’t wear black. His eminence was wearing black and when he saw me he said: “go back home and wear your black clothes, I will wait until you return.” He said: “I did what he asked and returned and finished what I went for.” This kind of dealing with one of the many Hussaini rituals -wearing black- shows us the importance of it and that it is in the place of Allah’s satisfaction and his Prophet and Household.”

      This story isn’t odd, as our late scholars and current have preserved doing so, it is what they learned from the heritage/legacy of Ahlulbayt and their companions.. to read their biographies, fatwas (advisory/ religious law opinion), and narrations. (4)

        Finally, let us all wear black and maintain this act in our consolation, May Allah guide us always to perform the Hussaini rituals, and to respect them and respect these holy and tragic days.

_________________________

1: Revise the “Resala Al-Amaliya”
2: Al-Mahasen, volume 2, Narration number 195
3: Kamel Al-Zeyarat, chapter 21, Narration number 168
4: For further reading there is a nice incident in Behar Al-Anwar V.44 P.295

لماذا السواد؟

       منذ القرون القديمة كان لباس الإنسان محل اهتمام وعناية، فاللباس يعبر عن الحضارة والثقافة، وكثير منه له ما له من الرمزية والدلالة، غير اللباس الاعتيادي الذي يرتديه الناس فهناك ما هو خاص كزيٍّ رسميّ للعمل أو ما يُلبس في أماكن ومناسبات معينة.
      الفرق الرياضية مثلا لها زي موحد ونلاحظ أن غالب -إن لم نقل جميع- من يحضر لتشجيعهم، بل وحتى المشاهد للمباراة وهو في منزله أو في المقهى يرتدي الزي التابع لفريقه، دلالة على تشجيعه وتأييده لذلك الفريق وتضامنه معهم. وعند إقامة نشاط معين في المجتمع يرتدي الناس لونا واحدا موحدا بمختلف الأشكال لإعلان تضامنهم، كاللون الأزرق في اليوم العالمي للسكّري، أو الوردي في حملة التوعية بسرطان الثدي. الاحتجاجات والمظاهرات في السياسة وغيرها أيضا يصاحبها غالبا لباس يتخذه أصحابها شعارا لهم، للتعبير عن موقفهم أو انتمائهم. وإن كل هذه الصور المختلفة تعكس روح التنظيم والتعاون والاتفاق بين أفراد المجموعة الواحدة والذي بدوره يولد قوة لهم. وإن لدينا في الحج لمثال رائع لما أرمي إليه وهو الإحرام، إزار ورداء أبيضان من غير المخيط، يلبسه جميع الحجاج بإختلاف أجناسهم وألوانهم وفيه من الدلالة على المساواة والزهد ومظهر “شعائري” فيه عزة للإسلام والمسلمين.

        أما في العزاء نرى في التاريخ وإلى يومنا هذا أن الناس تتخذ لباسا خاصا للعزاء، تعبيرا عن الحداد والحالة التي هم فيها من الحزن على فقيدهم، وكان المدار غالبا على لون اللباس، وكان ولا زال اللون الأسود هو السائد بين لباس العزاء، مع وجود ألوان أخرى كالبياض الذي يلبس في الهند عند العزاء، وبغض النظر عن ذلك إلا أنه كان ولا زال لباس العزاء محل اهتمام وظاهرة اجتماعية إنسانية في قمة الأهمية حتى أنه في كثير من تلك المجتمعات تجد أنه من المعيب والمشين عدم اتخاذ لبس العزاء، وكما نعلم أن لباس الإنسان غالبا ما يعبر عن حالته، فما لو لبس الألوان الزاهية وتزين يتبين أنه مبتهج وفرح، ولذا في العزاء يترك ما يعد زينة وكل ما يدل على الفرحة والبهجة من اللباس، كما نلاحظ ذلك حكما شرعيا بوجوب ترك الزينة في عدة المتوفى زوجها ويلحق به ( ترك الزينة من اللباس، وترك الأحمر والأصفر ونحوهما من الألوان التي تعد زينة عند العرف بل حتى اللون الأسود لو كانت كيفية تفصيله أو بعض خصوصياته تشتمل على الزينة )(١)، وعلى كل حال فلربما كان السواد أصدق لون للحزن كونه لون الكآبة والظلمة.

        تأمل عزيزي القارئ – ونحن في أيام أكبر وأعظم فجيعة تتجدد عاما بعد عام، وهي شهري أبي عبدالله الحسين عليه السلام- ما رواه ابن قولويه في كتابه كامل الزيارات: (إنّ ملكاً من ملائكة الفردوس الأعلى، نزل على البحر، فنشر أجنحته عليها، ثمّ صاح صيحة وقال: يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن، فإنّ فرخ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مذبوح)(٢). وما رواه البرقي في المحاسن، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين، قال: (لمّا قتل الحسين بن عليّ عليه السلام، لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد، وكان علي بن الحسين عليه السلام يعمل لهنّ الطعام للمأتم)(٣). فها نحن نتخذ في هذه الأيام السواد لباسا، فمضافا على أنه لباس الحزن والعزاء وفيه ما فيه من إحترام لحرمة هذه الأيام، فهو كذلك إحياء لأمر أهل البيت عليهم السلام، كما ينقل من أجوبة العلماء أنه لو لُبس السواد سيتساءل الناس لماذا السواد؟ وهذا في حد ذاته إحياء لأمرهم، وإرشاد بغير لسان إليهم، ويتحقق في لبسنا جميعا للسواد تلك الصور التي ذكرتها سلفا، فهي مصدر قوة للمذهب، وصار لبس السواد شعارا ورمزا، حتى قال الاعداء عن الأعداد المليونية في زيارة الأربعين الـ”ثعبان الأسود“.. فهذه من الشعائر الحسينية التي تحفظ لنا المذهب وتحفظ لنا الدين وتحفظ عاشوراء، وحافظ عليها العلماء..

أختم بهذه القصة للميرزا جواد التبريزي -رضوان الله عليه- ينقلها السيد منير الخباز: ”وكان يلبس -أي الميرزا جواد- السواد طوال شهري محرم وصفر، ويوصي بلبسه، يحدثني أحد أساتذتي قائلا: كنت على موعد مسبق مع سماحته في قضية ما، فذهبت إلى مكتبه وكان لوحده جالسا مشغولا بكتبه، وكان ذلك اليوم من الأيام المشكوك كونها من آخر صفر أو أول ربيع الأول، واعتمدت أنا على التقويم ولم ألبس السواد، بينما كان سماحته لابسا للون الأسود، عندما رآني قال لي: اذهب إلى منزلك وارتد الملابس السوداء وسأنتظرك حتى تعود، يقول: امتثلت طلبه وبالفعل رجعت إليه وأنهيت معه ما جئت لأجله. إن هذا النوع من التعامل مع واحدة من أنماط الشعائر الحسينية أي لبس السواد يكشف عن مدى أهميتها وأنها موضع رضا الله سبحانه ورضا رسوله (ص) وأهل بيته (ع).“

ولا غرابة فهذا دأب علمائنا السابقين وما يستمر عليه الأحياء وهو ما استفادوه من تراث أهل البيت (ع) وأصحابهم.. فراجعوا سيرتهم وفتاواهم وما نقلوه.)
ختاما فلنتشح بالسواد ونحافظ عليه في عزائنا، ولا نتهاون فيه ونتركه..
وفقنا الله وإياكم لإقامة الشعائر الحسينية واحترام حرمتها وحرمة هذه الأيام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(١) راجع الرسالة العملية.
(٢المحاسن الجزء الثاني – باب الإطعام في المآتم – حديث رقم ١٩٥
(٣كامل لزيارات، الباب ٢١ حديث رقم ١٦٨
) هناك حادثة منقولة في البحار ج٤٤ ص٢٩٥ فراجع إن أحببت.

الشعائر الحسينية بين الارشاد والافساد.

بسمه تعالى وبه استعين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. صلى الله عليك يا أبا عبدالله وعلى المستشهدين بين يديك.. وعظم الله أجوركم بذكرى الفاجعة الأليمة.

       في كل عام قبيل محرم وأثنائه تهب عواصف الفتن بانواعها، وتُشنّ الحروب والحملات بشكل متعمد أو بشكل عفويّ، ويتراشق هذا وذاك في مختلف الشؤون الحُسينيّة. والحال أن كثيرًا من الكلمات التي تصدر هنا وهناك هي في محل نقد الشعائر الحسينية وملازماتها، وللحديث في هذا الأمر ينبغي تقسيم هذا النقد حسب الناقد إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الناصح بحكمة، الذي يعرف أنى وماذا يقول.
الثاني: -وهو محل كلامنا- الناصح بلا حكمة، فيقول كلمته -وإن أردنا أن نحسن ظننا بأنه يريد الإصلاح- فيُحسب كلامه على القسم الثالث وإن كان شخصه مختلف عنهم وليس فيهم.
الثالث: فهو والمخالف المبغض لنا سواء، نفسه مريضة، لم يتلقَ تأسيسا عقائديا رصينا، أو لم يقبلها فصار يضرب كل ما يمت بصلة لشعائر الإمام الحسين (عليه السلام)، أو ربما كان ممن لا يمتلك أبسط قواعد الفقاهة بل ولا خلفية دينية مناسبة فينشر جهله بين الناس، وعمومًا أفراد هذه الفئة كثيرون لا يسع المقام لحصرهم.

وبعد هذا الترتيب أقول؛ مما لا ريب فيه أن المؤمنين جميعا يستأنسون بإقامة شعائر الله على أكمل وجه، وأن تكون خالصة لا تشوبها شائبة، فتزيد في علوّ مكانتها وتكون كما هي مصدر قوّتنا وفخرنا وعزّتنا.. فلا يمانع المؤمن بأن تقام بشكل أفضل لو وجدت ملاحظات، إلا أن هذه الشعائر.. والشعائر الحسينية على وجه الخصوص أنواع، يمكن تقسيمها في هذا المقال أيضا إلى ثلاثة أقسام:

أ) ما هو قابل للنقد والتطوير بلحاظ وجود بعض السلبيات أو النقائص التنظيمية وغير التنظيمية.
ب) ما هو قابل للنقد والتطوير إلا أن موضوع الانتقاد غير متحقق في الواقع.
ج) ما لا يمكن انتقاده ولا يفصّل فيه إلا ذوو الإختصاص.

نأتي للتفصيل:

من الأمور التي ذكرت في البضع سنين الماضية على سبيل المثال مسألة توزيع الطعام في الطرقات، وهذا من القسم الأول، فهو قابل للنقد والتطوير. محل الخلاف هو كيفية توصيل النقد أو بالأحرى النصيحة الأمينة، فالشخص الأول يتحلى بحكمة ويعرف ماذا يقول بحيث لا ينتقص من المسألة شيئا أو يسبب لها التوهين والتضعيف، فيقول مثلا: ( إن هذا التوزيع أمر عظيم وتؤجرون عليه وإني أشجعكم عليه إلا أني أحب أن أراه بشكلٍ أفضل وبتنظيم أكثر وبشباب آورع ) مراعيا المكان الذي يوجه فيه هذه النصيحة والوقت المناسب، أو بعض الأمور التوجيهية كتنبيه هذا القارئ بوجود أخطاء إملائية في قراءته وهلمّ جرّه.

أما الشخص الثاني، ففي نيّته أنّه يريد الأفضل -فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه- لكن المشكلة في هذا الشخص أنه يتعثر بلسانه فيقول مقالة الشخص الثالث ويوجه نقدا هو شبيه بخطاب ذاك العدوّ المتربّص، فيُوجّه كل تلك الأخطاء بشكلٍ سلبيّ في نقده، من غير مراعاة للوقت والمكان المناسبَين، فلا تفهم منه إلا الاستنقاص، حتى ولو كانت بلسانٍ أكثر لطفا لكنّه سيواجه شاء أم أبى ردّة فعلٍ من الغيارى، ولا يلوم في ذلك إلا نفسه، فلا يملك كل الناس قدرة تمييزه -إن كانت نيّته سليمة- عن هؤلاء المبغضين، فيرونه وهؤلاء في صفٍّ واحد، فضلا عن كون كلمته تخدمهم، سيّما وأن الناس تعلم بأنّ هذه الشعائر الحسينية حفظت لنا الدين وحفظت لنا عاشوراء وأقل تضعيف لها يكسر ظهر خاتم الأنبياء (ص) وهذا ما يُستلهم من كلمات فقهائنا الأعلام.

هذا كله إذا كان ما يرمى إليه النقد واضحا من حيث جوانب الخطأ، فإن لم يكن واضحًا، وابتنى رأيه على حالةٍ شاذة، أو مغالطة، فدخلنا هكذا في القسم الثاني، مسألة الإسراف في الإطعام -مثلا- قد تندرج تحت هذا العنوان، فكم من مجلس يرمي الطعام فيتحقق فيه التبذير فعلا؟ ومن أصل كم مجلس في الواقع؟ إما أنه فعلا من المتعارف ما بين المجالس رمي الفاضل من الطعام بأعداد زائدة، أو أنها مغالطة وتعميم صدر نتيجة موقف شخصي أو حادثة فريدة حصلت، ولا يصح هنا أن نصدر حكمًا على الجميع، فالشخص الأول في هذه الحالة إن عَرِف تلك الحالات الفريدة نصحهم بعينهم، أما الثاني فيصدر تعميما كأنّ جميع المجالس تبذر في الطعام! وهنا -مرة أخرى- صبّ في مصب العدو وقدم له خدمة على طبق من ذهب.

ان كنت لا تتفق فاستبدل ( مسألة الإسراف ) بمسألة أخرى.. كحالة فردية حصلت العام الماضي من تواجد نساء يوزعن البركة في إحدى المواكب.. هذه حالة فريدة ينبغي أن توجه إليهم النصيحة، ولا بأس بتوجيه ملاحظة عامة، لكن المغالطة أن يقال: المواكب يتواجد بها نساء ويجب أن لا تحدث هذه الأمور.. فيتصور عامة الناس بأنها سمة غالبة..

وأما القسم الأخير، فهو ما لا نقد فيه، كأصل -لا تفاصيل- شعائر مثل البكاء أو اللطم أو غيرها من صور الجزع، فالكلمة الأولى والأخيرة هي للمرجعية، ولها دون غيرها حق الفصل فيها، فلا يحق لأحد كائنا من كان أن يوجّه انتقادًا على بكاء أو لطم بما هو، أو الفصل في الوقائع التاريخية التي هي من إختصاص أهل التحقيق والفضلاء من أهل العلم لا من شأن الذوق والاستحسان، وإن جئنا لمسألة متكررة كالتطبير، فالقول فيه سواء، ما دام يرجع المكلّف إلى من يجوّزه أو يراه مستحبّا فلا يحق لمن يرجع لمن يرى غير ذلك أن ينتقد القائم به، وهنا ندخل في مسألة حلال وحرام، فلو كان النقد أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، فيشترط أن يكون المنكر الذي يريد الناهي النهي عنه منكرا عند من يريد نهيه! وعدم احترام هذا الأمر فيه انتهاك لحرمة الحكم الشرعي، وضرب لأهم ما نفخر به في التشيع في زمن الغيبة وهو باب الاجتهاد، ولذا كان لزاما على كل مكلف العمل بتكليفه، وأن يتحمل ما يلقاه من ردة فعل الناس ما لو وجّه لهم ما لا يحق له، ولا يستوي من يدعو إلى رأيه بمن يحط من رأي غيره.

وكذا لو اتفق بين المراجع على حرمة شيء ما، انقلب الأمر ولا داع للحديث في هذا الشأن.

تبقى مسألة أخيرة أود طرحها، وهي ما لو وُجّهت نصيحة أو انتقاد، على فرض أنها قيلت في المكان والزمان المناسب، فليس بالضرورة أنها نصيحة يجب العمل بها.

وبالطبع لا أستهدف بهذا المقال النوع الثالث من الأشخاص كمن يريد إلغاء الإطعام من أصله للتبرع وغير ذلك من الإشكالات، فالردود عليهم واللسان الحادّ الذي يستحقونه وما يدحض شبهاتهم موجود بوفرة، زاد الله المؤمنين قوةً وإيمانا، وعددا كما يحصل مرارا، فما إن تكلّم هؤلاء على شيء من الشعائر الحسينية إلا ونرى تزايدا مهيبا في أعداد مقيميها.

خلاصة القول، لا بد من رعاية لغة الخطاب ورعاية الشروط الأخرى في النصيحة، والاخلاص فيها بغير لغط، فقاتل الله الهوى والرأي بلا سند، فالحذر اذ قد يترتب على عدم رعاية هذا الأمر -ولو بغير قصد- تضعيف المذهب وتضعيف شعائره وكسر المؤمنين، وخدمة مرضى النفوس وصب الكلام في مصب أهدافهم وغاياتهم.

ولا ننسى أن وجود خطأ أو شبهة في فعل ما لا يلغي أصل الفعل -كما وضحت- فلا يلغى الحج لوجود عصاة في الحج مثلا!

وإن اختلف المؤمنون في تشخيص موضوع ما أو أسلوب القيام بفعل ما وفق مساحة الاختلاف المسموحة، فما يمنعهم أن يفعلوه دون التعرض لإخوانهم المؤمنين؟

وفقنا الله وإياكم لخدمة المولى أبي عبدالله عليه السلام، وإقامة شعائره على أفضل وجه.

والكاظمين الغيظ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله كما هو أهله وصلى الله على المصطفى الأمجد أبي القاسم محمد (ص) وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.. واللعن الدائم على أعدائهم ومنكري فضائلهم ومصائبهم إلى يوم الدين.

عظم الله لك الأجر سيّدي بجدّك الغريب المظلوم الكاظم (ع).. فدته نفوسنا.. حليف السجدة الطويلة.. المعذّب في قعر السجون وظلم المطامير..

وعظم الله تعالى أجوركم جميعا..

مما سمعته من أحد مجالس البارحة، قضيّة لم تكن جديدة على مسمعي.. لكن في كثير من الأحيان حينما تسمع بأمرٍ ما لأوّل مرّة قد يمرّ مرورا كريمًا أو قد لا تتأمله بشكل كافٍ.. أو ربما تتأمل فيه جانبا دون آخر، فإذا تكرّر عليك سماع نفس القضية تفكّرت بجوانب أخرى..

وهكذا مع كثير من الأمور، مثل القرآن الذي نختمه في كل سنة مرة على أقل تقدير.. تجد حينما تقرأ يوما من الأيام آية ما تُحدّث نفسك بأن هذه الآية مثلا كأنّك تقرأها لأوّل مرة، أو ربما قرأتها من قبل لكنّك تشعُر بحالة “إشراق” ويطرأ في فكرك ربطٌ جديد قد يشغلك لأيّام.

على أيّة حال، القضية التي نُقلت بالأمس كانت ما جرى بين الإمام الكاظم (ع) وإحدى جارياته – حسبما قال الخطيب- كانت تحمل أحد أبناءه الرُضّع لكنه سقط من يديها عن غير عمد فمات ( وما وجدته في بعض المصادر أن الحادثة كانت أن الجارية كانت تصب للإمام ماءً ليتوضأ به لكن سقط من يدها الإبريق فشجّ رأس الإمام الشريف) فتبادرت مسرعة خائفة قائلة: “والكاظمين الغيظ”، فقال لها الإمام: كظمت غيظي، فقالت: “والعافين عن الناس”، فقال: عفوت عنك، فقالت: “والله يحب المحسنين”، فقال: اذهبي فأنتِ حرّة لوجه الله.

فاستَعرَضَ ما بهذه الرواية من جوانب أخلاقية عظيمة، وسأطرحها هنا اعتمادًا على رواية الخطيب التي نصّت بموت طفله.

أولا يجب أن نعلم أن الإمام المعصوم (ع) كونه معصوماً لا ينفي عنه العاطفة، فالإمام المعصوم بلا شك يحبّ أبناءه ويشفق عليهم، بل وأعتقد أن أكثر الناس حبّا لأبنائهم -حب في الله كما أمر الله- هم المعصومون (ع)، فكيّف يتصرّف أحدنا إن مات له طفل.. وبسبب إهمال أو خطأ؟ .. هل سنبتسم ونقول لا بأس.. بل حتما سنغضب غضبًا قد يؤدي بنا إلى الثأر والإنتقام، كما يقال: بشر القاتل بالقتل، وغيرها من المشاكل..

ثانيا وهي نقطة جميلة تحاكي العصر والمجتمع الحالي، أغلب البيوتات لديها أقلّا خادمة، هذا إن لم يكن لديهم أكثر، بالإضافة لسوّاق أو طبّاخين وغير ذلك من الجناسي الآسيوية مثلا، والواقع أنّ هذا الخادم / الخادمة أو أيّا ممن يعمل لديك حاله حال الموظّف يعمل مقابل أجر، ويجب أن يعامل معاملة الإنسان المحترم حاله حال أي إنسان يستحق أبسط حقوق العيش الكريم، لا فرق في ذلك بين الجنسيات ولا المعتقدات.. فحتى أهل الكتاب بغض النظر عن إختلاف آراء المراجع العظام بمسائل الطهارة إلا أنّه لا يختلف إثنان على حرمة التعدّي عليهم.

أتوقف هنا لأتكلم بتفصيل أكثر في هذا الموضوع. لو أردنا أن نتعرف على أخلاق الكثير في مجتمعنا، يمكننا بكل بساطة أن نرى تعامل الشخص المطلوب مع الخادمة في منزله، أو عامل النظافة في الشارع، أو دافع العربة في الجمعية، أو أو أو .. مع الأسف نرى كثيرًا أن التعامل معهم كأنهم عبيد !! فالخادمة كأنّها من الإماء الجاريات، ويصرخ هذا عليها، وينهرها ذاك، وتضربها تلك، ويعاملوا بأبشع صور المعاملة إلى درجة أننا نرى في المجتمع بأن ( الكلب ) معزّز مكرّم، وتلك الخادمة كما الكيس موضوع في خزانة السيارة !! والمشكلة أنّ ديننا أعطى العبيد والإماء حقوق، ونظّم كيفيّة التعامل معهم، وضرب لنا الأطهار أروع الصور في التعامل معهم، وحرّم إهانتهم وضربهم وغصب حقوقهم.. المشكلة أنني أتكلم هنا عن شيء اندثر بفضل الإسلام مع الأيّام فلم يبقى موجودا بيننا الآن.. وما لدينا ليسوا ( عبيد وإماء ) .. هم أناس! عند الله هم ونحن سواء في الحقوق والواجبات !

وهنا كان لزامًا عليّ أن أشكر والديّ اللذين غرّسا هذا المفهوم في العائلة منذ الصغر وورثوها هم من آبائهم.. فلا أكاد أدخل أنا وإخوتي في مكان إلا كان أوّل من يستقبلنا بحرارة وإبتسامة هو عامل النظافة الهندي أو الغسّال الباكستاني، ويسأل عن الوالد وأحواله.. ونتحدّث ونتعامل معاً كأصدقاء..

أدري أنّ هناك الكثير من هم هكذا وأفضل بدرجات.. لكن لا أبالغ إن قلت أنّ النظرة الدونية لهؤلاء هي -مع الأسف- الغالبة على مجتمعنا، ولا فرق في ذلك بين المتديّن ظاهريّا أو غيره..

ولربط هذا الموضوع بالحديث والرجوع إليه، نلاحظ أنّ تعامل أهل البيت (ع) مع الإماء والجواري هي أروع المعاملات بل أفضلها على الإطلاق، فيربونهم أي تربية! فهذه جارية الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع).. أيّ تربية تربّت حتى كان أوّل ما تلفظه في مثل تلك الحادثة آية قرآنية، لأن وأهل البيت (ع) أولى الناس بتطبيق القرآن، -فهم القرآن الناطق-

فكيف تتوقع أن يتم التعامل مع حدث في أمر عظيم ليس بهيّن إلا أنه كان خطأ، فالقاتل بغير عمد ذمّته بريئة من المسؤولية الشرعية إلا أنّ الشرع طبعا يطالبه بديّة ! ..

لكن ما عرفناه من الإمام الكاظم (ع) أنّه في موقفٍ قد لا يقوى على تداركه إلا معصوم مثله، قال لها: كظمت غيظي! وكظم الغيظ عند المعصوم ليس مثلنا حينما نتظاهر أننا كظمنا الغيظ .. لكننا نضمر الحقد، ويتضاعف هذا الغضب عشرات الأضعاف حتّى إذا صدر موقفا جديدا انهلنا على الشخص وانفجرنا.

ولا نزال نستطيع أن نتأمّل هذه الرواية بين فترة وأخرى ونستلهم منها دروسًا عظيمة، من معرفة الإمام (ع) إلى منهج للحياة والأخلاق..

أختم وأقول من عندي هذا الشيء القليل، إن كانت هذه الجارية اقترفت من التقصير ما أدّى لقتل فلذّة كبد الإمام المعصوم (ع).. فكظم غيظه وعفى عنها وأطلقها لوجه الله، ونحن لم نصل -إن شاء الله- لهذا الحد.. وكلنا تقصير وإسراف.. فمع سيّدنا ومولانا صاحب العصر -أرواحنا لتراب مقدمه الفداء- هل يمكننا أن نقول له سيّدي ( والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين ) ؟ فينسى غضبه علينا إن كان غاضبا؟ ويعفو عنا؟ .. ولأن المعصومين مظاهر صفات الله نسأل الله أن يمّن علينا بذلك..

عفا الله عنّا وعنكم، ورزقنا وإياكم مكارم الأخلاق.. ووفقنا لنكون مع ساداتنا في الدنيا والآخرة.

والحمدلله رب العالمين.

مسلسل هلال العيد .. لا يحووشك!

اكيد الكثير منا مرّ بهالسالفة مع اهله او ربعه.. تنطرح مسألة فقهية، ويالله استقبل كل واحد يفتي برأيه وتكتشف أنّ ما شاءالله كل الي موجودين دارسين بالحوزة وعندهم شهادات اجتهاد .. وتقول حسافة ما تنزلون رسايلكم العملية؟!

يعني على سبيل المثال: رمي الجمرات بالحج،

أ: اهم شي النيّة ترى، تقط الصخرة ومو مهم توصل ولا لا
ب: لااااا انا الي اعرفه لاااازم تروح اقرب شي وتشوف الصخرة تطق الطوفة واذا شكيت انه ما طاحت ترد تقط غيرها!
ج: يا جماعة امس كنت قاعد مع بوفلان يقول حاول تكون اقرب شي، وتحتمل انه توصل
ب: انته بكيفك؟! كلام اي مرجع هذا؟ انا اتوقع لازم تسوي احتياط وجوبي
أ: يبا ما يبيلها اي مرجع ومادري شنو وين قاعدين خلاص الدين يسر، الله يحاسبك عالنية! بطلوا السالفة وخلاص عاد لحد يتفلسف!
د: (طاق رصيف) ترى انتوا مو فاهمين فلسفة رمي الجمرات!

 وهلمّ جرّه .. واستقبل ألوان وأشكال من الفتاوي والتفسيرات والآراء وهذا غير الي يقولك مو مقتنع بهالحكم وكأن الدين نازل على مزاج الناس، والمجموعة الي عسى ما شي ما عجبهم يقولون أتوقع هالرواية مو صحيحة.. وبالفقه الكل فاهم ومسكينة الرسالة العملية محطوطة عالرف، ويا حيف عالدين ..

 فأحب شخصيا اسمي هالمسلسل بمسلسل هلال العيد..

 الناس من كثر البطالة والـ”ماكو شغل”ـية الي عايشينها نشوف هالامور،

 تيي كل سنة يوم ٢٩ من شهر رمضان، ويالله:
١- ترى هالمسجد يقولون شافوه
٢- يبا الفلكي هذا يقول مستحيل ينشاف!!!
٣- حجي مالنا شغل بالفلك
٤- الي يقلدون السيد سين باجر عيد
٥- لا توني سائل الوكيل وقال الي يقلدون السيد سين خل يقطعون مسافة
٦- لاااااا الي يقلدون السيد سين باجر صيام شفيكم ما اعلن مكتبه !!
٧- المرجع الفلاني باجر عيد .. وهو ثقة خنعيد وياه
٨- بس ترى المرجع الفلاني مو نفس مباني المرجع سين
٩- اوووه مالت عليكم انا بفطر ويا الحكومة وخلكم هالمعممين قاصين عليكم
.. الخ

ليش هاللوية بالضبط ما ادري؟ .. خلاص كل واحد ملزوم برأي مرجع تقليده، وبهالزمن الحمدلله اذا مو كل بيت فيه الرسالة العملية للمرجع، فالانترنت موجود فيه، والحين حتى ابلكيشن بالتلفونات فيه، وترتيب شغل عدل مبّوب ومصنّف خوش تصنيف وتقدر تبحث وتسوي كوبي وبيست وتدزه واتس اب وتويتر وغيره،

بعدين ايي دور العلماء / المعممين / السادة والمشايخ ايا كانوا، يفترض انك ترجع للي “تثق فيه” وتدري انه يستند الى “الرسالة العملية” .. ومعلوم انه مو “كثير الخطأ” وشخص “عادل” فاهم شلون يشرحلك الرسالة والمسائل الي مو واضحة بالنسبة لك.. فالمفترض انه يوضحلك رأي مرجعك حسب الرسالة العملية لا ان يفتيلك برأيه هو.. ولا ان يلزمك بتكليفه الشخصي

ناخذ مثال: رؤية الهلال -وجم مرة تتكرر هالنقطة كل سنة- شي انت يالمكلف يالصايم يالي قاعد تقرا تشخصه، مو مرجعك، انما المرجع يعطيك الطريقة، لازم تشوفه بالعين المجردة مثلا، ولا هل اذا ينفع لو احد بديرة يمك شاف الهلال تعتبر شايفه؟! واطمئنانك لو اثنين قالوا شفناه (وهو فلكيا قابل للرؤية) مو مثل البعض، هم يعتمد عالفلك بعدين اذا الفلك قال ما ينشاف وشافه هو يقول مالنا شغل بالفلك..

اذا بختصر بعض النقاط،
اولا: كثير من الناس ما تبي تقرا ولا تبي تبحث عن الثقة الي ينقل لهم دينهم صح، الناس تبي السهل، تسأل واييلهم الجواب جاهز
ثانيا: يا جماعة كل واحد عليه من نفسه، والله بيحاسبه على تكليفه هو، مو كلنا لازم نفس الشي، ولا مسألة تستدعي العصبية والزعل!
خلاص اذا اثنينا نقلد نفس المرجع، عادي جدا واحد فينا مو مطمئن ومافي شي اكيد يكمل عدة، وواحد شايفه ومطمئن ويفطر.. اثنينا عند الله مأجورين، وعلى صحة اذا مأدين تكليفنا..
ونفس الشي اذا واحد يقلد مرجع ومو عيد، والثاني عيد ليش تبيه يقطع مسافة ويفطر وياك؟ خله صايم.. يقدر يكون قاعد وياك ويباركلك .. مو شرط “ياكل ويبلع!”

اييلك واحد معصب وذبحتونا كل وكيل يقول شي وكل واحد يقول شي، وبيلوم الدين، نصدق منو؟ كله حجي متناقض!!
انزين هدي بالك.. وهو بالاساس منو قال لازم نكون كلنا نفس الشي؟!

 الخلاصة: هالمسلسلات تتكرر وايد وفي امور كثيرة، اخر وحدة مرينا فيها سالفة صلاة الايات للزلزلة والخسوف.. كل واحد يقول شي، وكل واحد يدز مسج للثاني “ترى عليك صلاة”، والثاني ينفي يقوله لا يبا ما عليك صلاة.. واحد يحط انه ما ينشاف، واحد يقول ليش مستعيل ننطر ونشوف، واحد يقول بلى ينشاف وبصلي.. ويصير زعل وهواش وهذا الوكيل يفتي من جيبه، وهذا جذاب.. ويالله تصير حرب شخصيات

 لييش كل هذا لييش؟! خلاص كل واحد مطالب بانه يعرف من الرسالة العملية، واذا ما فهم يلجأ لمن يثق به، حتى لو اختلف مع ناس ثانيين، فكل واحد عليه من نفسه وتكليفه وما يحق له يلزم الثاني ولا واجب يبلغه.. خاصة بالمسائل الخاضعة لتشخيص المكلف.. اما لو كنا نتكلم عن شي ثابت ومباشر من الرسالة مثل هل صلاة الظهر اربع ركعات ام خمس يختلف الوضع، لكن المسائل الي فيها تشخيص، تعتمد عليك “إنت”، وبالنهاية الله يخلي الإحتياط.

 

متى نحيي شهادة الزهراء (ع)؟

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم والعن عدوّهم.

بعض الملاحظات حول الإختلاف الواقع في تحديد يوم شهادة السيّدة الزهراء (ع).
بدايةً لا يخفى على أحد أنّ هناك أكثر من مناسبة من المناسبات ( كالمواليد والوفيات ) واقع فيها الإختلاف لعدة أسباب ترجع إلى التدوين والتصحيف والنقل .. الخ، لكن في أغلب تلك الإختلافات نرى أنّ هناك ترجيح لأحد الروايات على الأخرى أو يتم التعامل معها بحيث كل منطقة أو جماعة تحيي مناسبة بتاريخ معين بناء على رواية معينة وجماعة أو منطقة أخرى تحيي نفس المناسبة بتاريخ آخر بناء على رواية أخرى.

مثال على ذلك تاريخ شهادة الإمام الرضا (ع)،  فهناك رواية أنه كان يوم ١٧ صفر، ورواية أخرى أنه في آخر يوم من شهر صفر.. في الكويت غالبا -حسب معرفتي- تُحيا المناسبة على رواية ١٧ صفر، أمّا في مشهد أو قم فقد رأيت أيضا حشود كبيرة تُحييها على رواية آخر يوم من صفر.. مثال آخر تاريخ ولادة الرسول الأكرم (ص)، الأكثر من العلماء ذهبوا أنّه في يوم ١٧ ربيع الأول، لكن ذكر بعض العلماء أنّه في ١٢ ربيع الأوّل، لكن لأن رواية ١٧ ربيع الأول هي الأشهر ظاهرا فيتم الإحتفال بمولده المبارك والقيام بالمستحبات في ذلك اليوم. وكذا هناك عدة روايات في عدة مناسبات منها ما ذكرت، ومنها أيضا تاريخ شهادة الإمام السجاد (ع)، وتاريخ ولادة الإمام الباقر (ع).. وغيرها.

ولعلّ أكثر المناسبات التي بها إختلاف واسع هو تاريخ إستشهاد السيّدة الزهراء (ع)، فهناك ثلاث روايات مشهورة.. وأخرى غير مشهورة، فأمّا الثلاث روايات المشهورة حسب الأيام التي عاشتها السيّدة الزهراء (ع) بعد أبيها رسول الله (ص): فالأولى أنها استشهدت بعد ٤٠ يوم من رحيل النبي (ص)، والثانية ٧٥ يوما، والثالثة ٩٥ يوما، فتكون التواريخ بالترتيب: ٨ ربيع الآخر، ١٣ جمادى الأولى، و٣ جمادى الثانية.. والروايات الغير مشهورة رواية الـ٤٥ يوما، ورواية الـ٦ أشهر وغيرها. وعلى أيّة حال، لست بباحث أو محقق ولا بمقام عرض إستدلال.. إنمّا أنقل وجهة نظر أؤمن بها في إحياء مناسبات أهل البيت (ع)..

هناك قصة تُنقل عن شيخ الشريعة الأصفهاني (قده) أنّه عزم يوما أن يسخّر جهوده ليحقق في الروايات ويوحّد النّاس على أقوى الروايات وأوثقها في استشهاد الزهراء (ع) ليتم إحيائها على أكمل وجه.. فاستغرق أياما طوال، وإذا به أحد الأيّام وهو مستغرق في أحد بحوثه وقد أخذه النعاس ونام، فتشرّف برؤية السيّدة الزهراء (ع) وأمرته بأن يترك عنه هذا الأمر وأن يبقيه على ما هو عليه، فإنها تحب أن تتكرر مصيبتها، ونقل هذه القصة أيضا بمضمون شبيه خطباء آخرون، فترك البحث وجعل يحيي مصيبة السيدة الزهراء (ع) في كل تلك الروايات.

 فأوّل نقطة نستعرضها: ما المشكلة في أن يكون هناك إختلاف في الروايات؟ وما المشكلة إذا تم إحياء نفس المناسبة في أكثر من مرة؟ فما نستفيده من الروايات عموما أن ذكر فضائل أهل البيت (ع) أو مظلوميتهم أو مثالب أعدائهم ممدوح في أيّ وقت ولذو ثواب عظيم.. وبالطبع لكل مقام مقال.. فذكر مصيبة الإمام الحسين (ع) مثلا ممدوح في كل وقت، بل وحتى في الأعياد وفي يوم الجمعة التي هي يوم فرح للإنسان المؤمن يستحب قراءة دعاء الندبة في صباحها وما دعاء الندبة إلا عبارة عن مجلس رثاء أهل البيت (ع)..

ثانيا: على وجه الخصوص ما المشكلة في أن يتم إحياء شهادة الزهراء (ع) في أكثر من مرة؟ أليس في ذلك بيان لمظلوميّتها؟! حتى حرّص كثير من العلماء على إحياء الليالي الفاطمية.. كالميرزا جواد التبريزي (قدس سره) الذي قال: “ عندما كان الإمام الصادق (ع) يقول: “رحم الله من أحيا أمرنا” فإن مصداق إحياء أمرهم هو إحياء عاشوراء الحسين (ع) ومظلومية أمه الزهراء (ع).

ثالثا: هناك توّجه من البعض بإلغاء إحياء شهادتها -روحي لها الفداء- في غير تلك الأيّام، والبعض قام بتهميش الروايات الـ ( غير معتبرة ) حتى لم تتبقى له إلا رواية الـ٤٠ يوما، فوجدوا لأنفسهم ذريعة بأن تلك الرواية تتعارض مع مولد الإمام الحسن العسكري (ع).. وحجتهم كالتالي: رواية مولد الإمام الحسن العسكري (ع) في ٨ ربيع الآخر قوية، ورواية إستشهاد السيدة الزهراء (ع) في نفس اليوم ضعيفة.. ولأن الإمام الحسن العسكري (ع) مظلوم ولا ذكر له فنقدم المولد ولا داعي لإقامة شهادة الزهراء (ع) في ذلك اليوم لأن هناك روايتين أخريتين.. ولم يتوّقف البعض إلى هنا بل وصل التجاسر إلى وصف من يتداول هذه الرواية بأنها رواية نسائية وبالحرف ( سوالف حريم ) ولا اعتبار لها لأنها “ضعيفة”!!

أقول: لا أدري ما مشكلة هؤلاء مع الزهراء (ع)؟! .. وصدقّوني المسألة ليست ضعف رواية أو قوّتها ولا حبّا زائدا للإمام العسكري (ع) ! هداهم الله ! على أية حال الرد على هذه الشبهة لعلها الأطول:

١) مسألة ضعف الروايات وقوّتها وصحة السند من حسنه وما شابه ذلك من العلوم الرجالية تطرق إليها الكثير من العلماء، وأوضحوا أنّ هذه المسألة خاصّة بالفقيه المجتهد ليبيّن الحكم الشرعي لأمر ما.. وأما أكثر الأمور التاريخية لا يتم النظر بها إلى قوة السند من ضعفه وإلا كنا سننكر أغلب التاريخ، والأمر الآخر في نفس النقطة، أنّ هؤلاء الذين لا حرفة لهم سوى تضعيف الروايات ربما يتناسون أو لا يعلمون أصلا مدى خطر “تكذيب” رواية مرويّة عن أهل البيت (ع) فضلا عن تضعيفها، وجهلوا دور علماء الحوزة الأجلاء في حفظها.. وهذه النقطة عموما تحتاج إلى تفصيل لست في مقامه.
٢) هناك قاعدة عامة إسمها ( رجاء المطلوبية ) عند إيجاد رواية في أمرٍ مستحب لم يتم إثباتها، فنستطيع الإستفادة من هذه الرواية: عن الإمام الصادق (ع): “من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه، كان له، وإن لم يكن على ما بلغه.” (الكافي للكليني ج٢ ص٨٧)، فاذا بلغتنا رواية -ولو ضعيفة إن صح القول- بأن في اليوم الفلاني مثلا قد يكون استشهدت السيّدة الزهراء (ع) فنحن حتما ننال الأجر والثواب بإقامة العزاء وإن لم يكن هو التاريخ الفعلي، إضافة إلى أننا وكما ذكرت سلفا نقوم بنصب مآتم في شتى الأيّام ونؤجر، فأليس الأولى بإقامة تلك المآتم في الأيام التي رويت بها روايات؟
٣) لدينا في إستشهاد الإمام الحسن المجتبى (ع) روايتان، الأولى ٧ صفر والثانية ٢٨ صفر، على أن الأولى هي الأشهر، لكن في نفس اليوم هناك رواية -ولعلها الوحيدة- في ولادة الإمام الكاظم (ع)، لكن لم يتم تضخيم الموضوع، وما عرفت إلا مجموعة صغيرة تقوم بالإحتفال بمولده لكن ببساطة نطرح الأمر هكذا: لو تزامنت ذكرى وفاة وذكرى ولادة فأيّهما مُقدّم؟ .. كأن يكون لديك حفل وحالة وفاة، فالطبيعي أن الحفل يؤجل والعزاء يُقدم، ومثال آخر ميلاد الإمام الباقر (ع) فهناك روايتان: ١ رجب و٣ صفر، فأمّا رواية ٣ صفر أيضا لا يتم الإحتفال بها لأن حالة العزاء وأربعين الإمام الحسين (ع) مُقدّم.
٤) كان الأولى أن يقال أننا نقدم أو نؤخر الإحتفال بميلاد الإمام العسكري (ع)، كما هو الحال مع الإمام الكاظم (ع)، وهذا ما يتم فعله، فاعتدت على أن المجالس تحيي شهادة الزهراء (ع) والسيدة المعصومة (ع) “١٠ ربيع الثاني”، وفي ختام مجالسهم يحتلفون بميلاد الإمام العسكري (ع).

كانت هذه الملاحظات التي استطيع ابدائها.. وللأسف كل فترة وأخرى -وسيما في السنوات الأخيرة السابقة- يطل علينا مشككين ليسوا من المخالفين لكن ممن يدّعي أنه شيعي إثنى عشري .. وما عساي أن أقول سوى أعاننا الله .. وفي هذا المقام اقول رضوان الله تعالى على الميرزا جواد التبريزي ذاك العالم الجليل الذي لم يتوانى لحظة في التصدّي لهجمات المشككين في قضيّة السيّدة الزهراء (ع) وبذل ما بذل في الدفاع عنها فجعل من الأيام الفاطمية عاشوراء ثانية يتم إحيائها في إيران بعد أن لم يكن لتلك الأيّام إهتمام بالغ في السابق، فكان من عادته في أيّام شهادة الزهراء (ع) بإختلاف الروايات أن يخرج من منزله إلى حرم السيدة المعصومة (ع) مشيا على الأقدام حافياً.. وكانت بعض الأيّآم تبلغ حرارة الجو فيها أشدها ( تتمة هذه القصة :هنا ) ..

ختاما أقول الحمدلله الذي وفّقنا لنحيي ذكرى شهادة الزهراء (ع)، في ليلة ويوم ٨ ربيع الآخر، غير متناسين الإمام العسكري (ع)، وأيضا وفقنا لنقوم بإحياء الليالي الفاطمية من ليلة ١٣ جمادى الأول إلى ٣ جمادى الآخر، فحتما في ذلك الإحياء إدخال السرور على قلب الزهراء (ع) وإظهار لمظلوميتها بل من لوازم التصدي لهؤلاء الأعداء المتلبسين بلباس التشيع ( اقرأ أيضا: العاشوراء الفاطمية )، إضافة إلى أنه مواساة لمولانا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف)، ولا شك عندي شخصيا أن هذا الأمر مُقدم عندهم من الفرح، فهذه هي تربية دعاء الندبة وثقافة الإنتظار للثائر! وفقنا الله وإياكم دوما لإقامة مجالس الزهراء (ع)، ومنّ علينا بأخذ ثارها تحت راية ولدها المهدي (روحي فداهما) وزيارة قبرها.

 والحمدلله رب العالمين.
الثلاثاء ٨ / ربيع الآخر / ١٤٣٤ هـ.

* بعد التحدّث مع سماحة السيد مهدي الجزائري أبيّن نقطتين مهمّتين:
الأولى: الروايات وردت بحساب عدد الأيّام ( مثلا ٧٥ يوم ) ولا توجد رواية تحدد التاريخ مثل ١٣ جمادى .. فحسب ما نقل السيد أنّه العرف جرى على إحياء الليالي الفاطمية / الأيام الفاطمية في كلّ مرة ثلاثة أيّام -نظرا لتغيّر الشهور الهجرية “صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني” كونها إما ٢٩ ليلة أو ٣٠- فالمحصّلة أن الشهادة (مخفيّة) كما قبرها (المخفي)، وتطبيقا فيتم إحياء ١٣ – ١٤ – ١٥ جمادى الأول على أنها الأيام الفاطمية.. وعلى حسب كل منطقة وعرفها.
النقطة الثانية: مسألة إستمراريّة السواد لـ٢٠ ليلة من الفاطمية الثانية إلى الفاطمية الثالثة، فهو موجود نعم في بعض الأماكن في قم كما عند الشيخ الوحيد -دام ظله- في المسجد الأعظم، وهنا في الكويت أيضا هناك من يستمر في لبس السواد وفي حالة الحزن على مدار هذه الـ٢٠ ليلة.. لكن هي مسألة خاضعة للعرف، فالأشهر كما هو الحاصل بالنجف يتم لبس السواد وإقامة العزاء بكثافة فقط في الأيام التي تحيط بالروايات الثلاث.. وعلى كل حال فغالبا تكون المجالس ولله الحمد مستمرة وإن لم يلتزم البعض بالسواد، فيذهب من يستمر بتلك الحالة إلى هدف تعظيم المصاب وجعلها حالة استثنائية، والآخر إلى مراعاة العرف والفصل بين الليالي لتكون حالة الإستمرارية هذه خاصة بمحرم وصفر والتي نصّت عليها الروايات وللمحافظة على قدسية شعيرة السواد لئلا تكون شيء عادي.. والله أعلم.